فهرس الكتاب
عزيمة مني على كل حر وعبد قطع شجرة لها طعم وثمر لأجازينه ولأنكلن به، فلما سمع العبيد ذلك النكال جعلوا يأتون بالأحطاب من أقصى الديار. قال سعيد بن عامر وكان معي عبد نجيب وكان اسمه"مهجعًا"وقد شهد معي الوقائع والحروب، وكان جريء القلب في القتال. وكان إذا خرج في غارة أو في طلب حطب يتوغل ويبعد فخرج هو وجماعة من العبيد ممن شهد الوقائع في طلب الحطب، فأبطأ خبره على سيده سعيد بن عامر، فركب جواده وخرج في طلبه وجعل يقفو أثره إذ لاح له شخص وقد سال دمه على وجهه وصبغ سائر جسده وما يكاد يمشي خطوة واحدة إلا ويهوي على وجهه. قال سعيد بن عامر: فنزلت إليه وقلت له: ما وراءك من الأخبار؟ فقال: هلكة ودمار يا مولاي! فقلت: عليك يا ابن الأسود حدثني بخبرك.
قال سعيد: فلم يكد يقف حتى سقط على وجهه، فنضحت على وجهه ماء فسكن ما به. فقال: يا مولاي انج بنفسك وإلا أدركك القوم يصنعون بك مثل ما صنعوا بي. فقلت: من القوم الذين صنعوا بك ما أرى؟ فقال: خرجت يا مولاي أنا وجماعة من الموالي لنحتطب حطبًا، فتباعدنا كثيرًا في البر وإذا نحن بكتيبة من الخيل زهاء عن ألف فارس كلهم عرب وفي أعناقهم صلبان الذهب والفضة وهم معتقلون بالذهب والفضة والرماح، فلما نظروا إلينا أسرعوا نحونا وداروا بنا وعزموا على قتلنا. فقلت لأصحابي: دونكم وإياهم! فقالوا: ويحك ومن يقاتل وليس لنا طاقة بقتال هذه الكتيبة والخيل وما لنا إلا أن نلقي بأيدينا إلى الأسر فهو أهون من القتال. فقلت: لا والله ما سلمت نفسي إليهم دون أن أقاتل قتالًا شديدًا، فلما رأوا مني الجد فعلوا مثل فعلي فقاتلنا القوم وقاتلونا فقتلوا منا عشرة وأسروا عشرة، وأما أنا فأثخنت بالجراح حتى سقطت على وجهي فرجعوا عني وبقيت كما ترى. قال سعيد: فغمني والله ما نزل بالعبيد فأردفته ورائي ورجعت على أثري وإذا بالخيل قد طلعت من ورائي كأنها الريح الهبوب أو الماء إذا اندفق من ضيق الأنبوب، وإذا بخيل غسان أحدقت بالرماح الطوال وهم يقولون: نحن بنو غسان من حزب الصليب والرهبان. قال سعيد: فناديتهم أنا من أصحاب محمد المختار - صلى الله عليه وسلم -، فأسرع بعضهم إليَّ وهمَّ أن يعلوَّني بالسيف فناديته: يا ويلك أتقتل رجلًا من قومك؟ فقال: من أي الناس أنت؟ قلت: أنا من الخزرج الكرام. فرد السيف وقال: أنت طلبة سيدنا جبلة بن الأيهم وحق المسيح، فقلت: ومن أين يعرفني جبلة حتى يطلبني؟ فقال: إنه يطلب رجلًا من أهل اليمن من أنصار محمد بن عبد الله، ثم قال: سر بنا طائعًا وإلا سرت كرهًا. قال سعيد بن عامر: فسرت والجيش معي حتى أشرفنا على جيش