فهرس الكتاب
عرمرم وعنده أعلام وصلبان قد رفعت فلم أزل مع القوم حتى أتوا بي إلى مضرب جبلة بن الأيهم وإذا به جالس على كرسي من ذهب أحمر وعليه ثياب الديباج الرومي وعلى رأسه شبكة من اللؤلؤ وفي عنقه صليب من الياقوت. فلما وقفت بين يديه رفع رأسه إليَّ وقال: من أي عرب أنت؟ قلت: أنا من اليمن. قال: أكرمت! من أيها؟ فقلت: أنا من ولد حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عبد الله بن الأزور بن عوف بن مالك بن كهلان بن سبأ. فقال جبلة: من أي الملأ أنت نسبًا؟ فقلت: أنا من ولد الخزرج بن حارثة من أنصار محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام. فقال جبلة: وأنا من قومك من بني غسان. فقلت: أنا من القبيلة التي نسبت إليها! فقال: أنا جبلة بن الأيهم الذي رجعت عن الإسلام فما رضي صاحبكم عمر بن الخطاب أن يكون مثلي لهذا الدين ناصرًا حتى يأخذ مني القود لعبد حقير وأنا ملك اليمن وسيد غسان! فقلت: يا جبلة إن حق الله أوجب من حقك وديننا لا يقوم إلا بالحق والنصفة، وإن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لا يخاف ولا تأخذه في الله لومة لائم، فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: سعيد بن عامر الأنصاري، فقال: أوطئ يا سعيد. قال: فجلست. فقال: ألك عهد بحسان بن ثابت الأنصاري؟ فقلت: شاعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن قال فيه المصطفى:"أنت حسان ولسانك حسام". فقال لي: كم لك منذ فارقته؟ فقلت: عهدي به قريب وقد دعاني إلى دعوة صنعها وأمر مولاته أن تنشد لي شعرًا فيك فأنشدت:
لله در عصابة نادمتهم ... يومًا بجلق في الزمان الأول
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
بيض الوجوه كريمة أنسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول
الملحقين فقيرهم بغنيهم ... المشفقين على اليتيم الأرمل
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
ثم خرجنا إلى الشام وهذا آخر عهدي به. قال جبلة بن الأيهم: أَوَحفظ لي هذه المكرمة؟! قلت: نعم. قال: فأمر لي بثوب من الكتان الرومي وفيه شيء من الوَرِق. وقال: أنا أمرت لك