فهرس الكتاب
نظر أبو عبيدة إليه وظن أنه من الملائكة قد أرسله الله أمامهم غير أنه نادى به الأمير أبو عبيدة: على رسلك أيها الفارس المجد والبطل المكد ارفق بنفسك يرحمك الله! فوقف الفارس حين سمع النداء. فلما قرب أبو عبيدة منه إذا هي أم تميم زوجة خالد بن الوليد - رضي الله عنه -! فقال لها أبو عبيدة: ما حملك على المسير أمامنا؟ فقالت: أيها الأمير إني سمعتك وأنت تصيح وتضج بالنداء وتقول إن خالدًا أحاطت به الأعداء فقلت إن خالدًا ما يخذل أبدًا ومعه ذؤابة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - إذ حانت مني التفاتة إلى القلنسوة المباركة وقد نسيها فأخذتها وأسرعت إليه كما ترى. فقال أبو عبيدة: لله درك يا أم تميم سيري على بركة الله وعونه.
قالت أم تميم: كنت في جماعة نسوة من مذحج وغيرهم من نساء العرب والخيل تطير بنا طيرًا حتى أشرفنا على الغبرة والقتال ونظرنا الأسنة والصوارم تلوح في القتال كأنها الكواكب وما للمسلمين حس يسمع، فأنكرنا ذلك وقلنا: إن القوم قد وقع بهم عدوهم! فعند ذلك كبَّر الأمير أبو عبيدة - رضي الله عنه - وحمل وحمل المسلمون. قال رافع بن عميرة: فبينما نحن قد أيسنا من أنفسنا إذ سمعنا التهليل والتكبير فلم تكن إلا ساعة حتى أحاط جيش المسلمين بعسكر الكافرين ووضعوا السيوف من كل جانب وعلت الأصوات وارتفعت الزعقات.
قال مصعب بن محارب اليشكري: فرأيت عبدة الصلبان وهم هاربون ورأيت خالد بن الوليد - رضي الله عنه - وهو ثابت في سرجه متشوف إلى الأصوات من أين هي، وإذا بفارس قد خرج من الغبار وهو يسوق فرسان الروم بين يديه ويهربون منه حتى أزاح من حوت الكتائب والرجال فأسرع خالد بن الوليد إليه، وقال: من أنت أيها الفارس الهمام والبطل الضرغام؟ فقالت: أنا زوجتك أم تميم يا أبا سليمان، وقد أتيتك بالقلنسوة المباركة التي تنصر بها على أعدائك فخذها إليك فوالله ما نسيتها إلا لهذا الأمر المقدر! ثم سلمتها إليه فلمع من ذؤابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نور كالبرق الخاطف.
قال الواقدي: و .... ما وضع خالد القلنسوة على رأسه وحمل على الروم إلا قلب أوائلهم على أواخرهم وحمل المسلمون حملة عظيمة، فما كان غير بعيد حتى ولت الروم الأدبار وركنوا إلى الفرار ولم يبق من القوم إلا قتيل وجريح وأسير، وكان جبلة أول من انهزم والعرب المتنصرة أثره. فلما رجع المسلمون من اتباعهم اجتمعوا حول راية الأمير أبي عبيدة - رضي الله عنه - وسلموا عليه وعلى المسلمين وشكروا الله على سلامتهم، ونظر أبو عبيدة - رضي الله عنه - إلى خالد بن الوليد وأصحابه وهم كأنهم قطعة أرجوان فصافحه وهنأه بالسلامة، وقال: لله درك يا أبا سليمان قد أشفيت الغليل وأرضيت الملك الجليل! ثم قال الأمير أبو عبيدة - رضي الله عنه: يا معاشر