فهرس الكتاب
الناس قد رأيت أن نسير من وقتنا هذا ونغير على قنسرين والعواصم ونقتل الرجال وننهب الأموال، فقال المسلمون: نعم ما رأيت يا أمين الأمة. فانتخب أبو عبيدة - رضي الله عنه - فرسانًا فجعلهم في المقدمة مع عياض بن غنم الأشعري وساروا حتى أشرفوا على قنسرين والعواصم فقال لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم: شنُّوا الغارات! فشنُّوا الغارات عليهم وسبوا الذراري وقتلوا الرجال، فلما نظر أهل قنسرين إلى ذلك غلقوا مدينتهم وأذعنوا بالصلح وأداء الجزية، فأجابهم أبو عبيدة - رضي الله عنه - إلى ذلك وكتب لهم كتاب الصلح وفرض على كل رأس منهم أربعة دنانير.
قال الواقدي: لما فتح أبو عبيدة - رضي الله عنه - قنسرين والعواصم قال لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أشيروا عليَّ برأيكم رحمكم الله، فإن الله تعالى يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم:"وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ"، فهل أسير إلى حلب وقلاعها وأنطاكية وملوكها وعساكرها أو نرجع إلى ورائنا؟ فقالوا: أيها الأمير كيف نرجع إلى حلب وأنطاكية، وهذه أيام انقضاء الصلح الذي بيننا وبين أهل شيزر وأرمين وحمص وجوسيه ولاشك أنهم قد أخذوا الحصار وقووا بلادهم بالأطعمة والرجال ونخاف أن يتغلبوا علينا فيما أخذناه من البلاد ويغيروا علينا لاسيما بعلبك وحصنها، فإنهم أولو شدة وعديد، ونرى من الرأي أنَّا نرجع إليهم ونقاتلهم فلعل الله - عز وجل - أن يفتح على أيدينا. فاستصوب ذلك ورجع على طريقه، فوجدوا البلاد كما قالوا، قد تحصنت بالعدد والرجال والطعام ولم يكن لأبي عبيدة قصد إلا حمص، وقد بعث إليها الملك هرقل بطريقًا من أهل بيته اسمه"هربيس"، وكان من أهل الشدة والبأس ومعه جيش عرمرم، فلما نظر أبو عبيدة إلى ذلك ترك على حمص خالد بن الوليد - رضي الله عنه -، وسار هو إلى بعلبك.
فلما قرب منها، وإذا بقافلة عظيمة فيها جمع من الناس ومعهم البغال والدواب وعليها من أنواع التجارات، وقد أقبلت من الساحل يريدون بعلبك، فلما نظر أبو عبيدة - رضي الله عنه - إلى سوادها قال لمن حوله من الفرسان: ما هذا إلا جمع كثير أمامنا! فقالوا: لا علم لنا بذلك. فقال: عليَّ بخبرهم. فسارت الخيل إليهم وأخذت أخبارهم ورجع البعض بخبرها والقافلة من قوافل الروم محملة متاعًا. قال شداد بن عدي: وكانت أحمال القافلة أغلبها سكر، وكانت لأهل بعلبك، فلما سمع أبو عبيدة ذلك قال: إن بعلبك لنا حرب وليس بيننا وبينهم عهد فخذوا ما قد ساقه الله إليكم، فإنها غنيمة من عند الله. فاحتوينا على القافلة، وكان فيها أربعمائة حمل من السكر والفستق والتين وغير ذلك وأخذنا أهلها أسارى، فقال أبو عبيدة - رضي الله عنه: كفوا عن القتل واطلبوا منهم الفداء فابتعناهم أنفسهم بالذهب والفضة والثياب والدواب وصنعنا من