فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 611

ألستم صالحتمونا على الميرة فمرناكم، فطلبتم منا البيع فابتعناكم فلم نقضتم ما عاهدناكم عليه؟ فكتب الأمير أبو عبيدة - رضي الله عنه - يقول: أريد أن ترسل إليَّ القسوس والرهبان الذين أرسلتهم إليَّ حتى أوقفهم على ما عاهدتهم عليه ليعلموك أننا لم نغدر ولا مثلنا من يفعل ذلك إن شاء الله تعالى.

فلما قرأ هربيس الكتاب أحضر القسوس والرهبان وبعث بهم إلى الأمير أبي عبيدة، فخرجوا إليه وفتح لهم باب حمص وساروا إلى أن وصلوا للأمير أبي عبيدة، فسلموا عليه وجلسوا بين يديه، فقال لهم أبو عبيدة - رضي الله عنه: ألم تعلموا أني عاهدتكم وحلفت لكم أني منصرف عنكم حتى أفتح مدينة من مدائن الشام سهلًا كان أو جبلًا، ثم يكون الرأي لي إن شئت رجعت إليكم أو سرت إلى غيركم؟ فقالوا: بلى وحق المسيح! فقال لهم: إن الله تعالى قد فتح علينا شيزر والرستن في أهون وقت، وقد غنمنا الله مال بطريقهم"نكس"وغيره مما لم نؤمله في هذه المدة اليسيرة والآن فلا عهد لكم عندنا ولا صلح إلا أن تصالحونا على فتح المدينة وتكونوا في ذمتنا وأماننا! فقال القسوس والرهبان: لقد صدقت أيها الأمير ليس عليكم لوم وقد وفيتم بذمتكم، وقد بلغنا فتحكم شيزر والرستن والخطأ كان منَّا إذ لم نستوثق لأنفسنا والآن الأمر بيد بطريقنا ونحن نرجع إليه ونعلمه بذلك. ثم رجعوا إلى مدينتهم، ودعا الأمير أبو عبيدة - رضي الله عنه - بالرجال والأبطال وأهل الحرب، وقال: خذوا أهبتكم فإن القوم بلا زاد ولا مدد يأتي إليهم من عند طاغيتهم ولا نجدة فاستعينوا بالله وتوكلوا عليه ...

فلبس المسلمون السلاح والعدد ورجعوا إلى الأبواب والأسوار واجتمع أهل حمص ببطريقهم هربيس وقالوا: ما عندك من الرأي في أمر هؤلاء العرب؟ فقال: الأمر عندي أن نقاتلهم ولا نريهم منَّا ضعفًا! قالوا: فإن الزاد قد نفد من مدينتنا، وقد أخذه القوم منا وما سمعنا بمثل هذه الحيلة! فقال هربيس: ما لكم تعجزون عن حرب عدوكم وما قتل منكم قتيل ولا جرح منكم جريح ولم تصبكم شدة ولا جوع؟! وإنما أصابوا منكم على غرة ولو دخلوا المدينة لما قدروا عليكم وأقل الرجال على السور يكفيكم إياهم وعندي من الزاد في قصري ما يعم كثيركم المدة الطويلة وما أحسب أن الملك هرقل يغفل عنا وسيبلغه خبركم ويوجه العساكر.

قال الواقدي: وكان عند البطريق هربيس في قصره جب عظيم مملوء طعامًا ففتحه وفرق الطعام على أهل حمص فسكنت بذلك نفوسهم وجعل البطريق يفرق على كبيرهم وصغيرهم بقية يومهم ذلك، وقد انحصر أهل حمص جميعهم فنفد ذلك اليوم نصف ما في الجب وقال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت