فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 611

لهم: اقنعوا بما أعطيتكم ثلاثة أيام وابرزوا إلى حرب عدوكم. ثم أخذوا أهبة الحرب وعرض عسكره وانتخب منهم خمسة آلاف فارس من أولاد الزراوز والعمالقة لا يساويهم غيرهم، فيهم ألف مدبجة ملكية وفتح خزانة جده جرجيس وفرق عليهم الدروع والجواشن والبيض والمغافر والقسي والنشاب والحراب وأقبل يحرضهم على القتال ويعدهم بالمدد والنجدة من الملك هرقل ... ثم دعا بالقسوس والرهبان وقال لهم: خذوا أهبتكم وادعوا المسيح أن ينصرنا على العرب فإن دعاءكم لا يحجب ولا يرد. فدخلوا كنيستهم المعظمة عندهم وهي كنيسة جرجيس -وهي الجامع اليوم- ونشروا المزامير وأقبلوا يبتهلون بكلمة الكفر وباتوا بقية ليلتهم على مثل ذلك.

فلما كان الصباح دخل هربيس إلى البيعة وتقرب وصلوا عليه صلاة الموتى فدخل قصره وقدم له خنوص مشوي فأكله حتى أتى على آخره وقدم بين يديه باطية الذهب والفضة فشرب حتى انقلبت عيناه في أم رأسه ثم لبس ديباجًا محشوًا بالفرو والزرد الصغار المضعف العدد ولبس فوقها درعًا من الذهب الأحمر وعلق في عنقه صليبًا من الياقوت وتقلد بسيف من صنعة الهند وقدم له مهر كالطود العظيم فاستوى على ظهره، وخرج من قصره طالبًا باب الرستن فأحاطت به بطارقته من الروم من كل جانب، وفتحت أبواب حمص وخرجت الروم من كل مكان في عددهم وعديدهم وراياتهم وصلبانهم وبين يدي هربيس خمسة آلاف فارس من علوج الروم، فصفَّهم أمام المدينة كأنهم سد من حديد، أو قطع الجلمود، وقد وطَّنوا نفوسهم على الموت دون أموالهم وذراريهم! فتبادر المسلمون إليهم مثل الجراد المنتشر، وحملوا عليهم حملة عظيمة والعلوج كأنهم حجارة ثابتة ما ولَّوا عن مواضعهم ولا فكروا فيما نزل بهم، فعندها صاح البطريق هربيس على رجاله وزجرهم فتبادرت الروم وصاح بعضهم ببعض وركب المسلمون وحملوا عليهم ورشقوا الرجال بالسهام واشتبكت الحرب واختلط الفريقان واقتتلوا قتالًا شديدًا ما عليه من مزيد، إلا أن المسلمين رجعوا القهقرى، وقد فشا فيهم القتل والجراح ...

فلما نظر الأمير أبو عبيدة إلى ذلك من هزيمة المسلمين عظم عليه وكبر لديه وصاح فيهم بصوته: يا بني القرآن الرجعة الرجعة بارك الله فيكم فهذا يوم من أيام الله تعالى فاحملوا معي بارك الله فيكم فتراجع الناس وحملوا على أهل حمص حملة عظيمة وشدوا عليهم الحملة، وحمل خالد بن الوليد - رضي الله عنه - في جمع كثير من بني مخزوم وجعلوا يضربون فيهم بسيوفهم ويطعنون برماحهم حتى طحنوهم طحن الحصيد ووضع المسلمون فيهم السيف، وحمل ابن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت