فهرس الكتاب
عبادة بن الصامت بما جرى بينه وبين جبلة بن الأيهم إذ أشرفت عليهم العرب المتنصرة. فلما رآهم المسلمون صاح بعضهم على بعض: يا معاشر المسلمين قد أقبلت عليكم العرب المتنصرة لقتالكم فما أنتم قائلون؟ قالوا: نقاتلهم ونرجو من الله تعالى الظهور والمعونة عليهم وعلى غيرهم، وهمُّوا بالحملة فصاح فيهم خالد بن الوليد - رضي الله عنه - وقال: اصبروا رحمكم الله ولا تعجلوا حتى أكيدهم بمكيدة يهلكون بها! وقال لأبي عبيدة - رضي الله عنه: أيها الأمير إن القوم قد استعانوا علينا بالعرب المتنصرة وهم أضعاف عددنا وإن نحن نقاتلهم بجمعنا كله كان ذلك وهنًا منا وضعفًا، وأريد أن أبعث لهم رسولًا من بني عمهم يكلمهم في شأن ردهم عنَّا فإن فعلوا كان ذلك كسرًا لهم وللمشركين ووهنًا عظيمًا، وإن أبوا إلا الحرب والقتال خرج منَّا نفر يسير يردونهم على أعقابهم بعزة الله - عز وجل -. قال: فتعجب أبو عبيدة - رضي الله عنه - وقال: يا أبا سليمان افعل ما تريد. فعند ذلك دعا خالد بن الوليد بقيس بن سعد وعبادة بن الصامت الخزرجي وجابر بن عبد الله وأبي أيوب (خالد بن يزيد) - رضي الله عنهم - أجمعين، فلما وقفوا بين يديه قال لهم: يا أنصار الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء العرب المتنصرة يريدون قتالكم وهم غسان ولخم وجذام وهم بنو عمكم في النسب فاخرجوا إليهم وخاطبوهم واجتهدوا في ردهم عن حربكم وقتالكم فإن فعلوا ذلك وإلا أخذهم السيف منا ومنكم وكنا لقتالهم كفؤًا.
قال الواقدي: فخرج أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى العرب المتنصرة فوجدوا جبلة بن الأيهم قد نزل بإزاء المسلمين يريد حربهم وقتالهم. فلما قربوا من بني غسان نادى جابر بن عبد الله وقال: يا معاشر العرب من لخم وغسان وجذام إننا بنو عمكم ونريد الدنو إليكم. فأذن لهم جبلة بالدنو إليه فدخلوا عليه. فإذا هو في مضرب من الديباج، وقد فرش بالحرير الأصفر وهو جالس وحوله ملوكه وملوك جفنة فحيوه بتحية ملوك العرب فرفع جبلة أقدارهم وأدنى مزارهم وقال: يا بنى العم أنتم من الرحم من القرابة! وأني خرجت إليكم من جهة هذا الجيش الذي يرهقكم فخرج إليَّ رجل منكم فأفرط علي في المقال فما الذي أتى بكم إليَّ؟
فكان أول من كلمه جابر بن عبد الله وقال: يا ابن العم لا تؤاخذنا فيما تكلم به صاحبنا فإن ديننا لا يقوم إلا بالحق والنصيحة وإن النصيحة لك منا واجبة لأنك ذو قرابة ورحم، وقد أتينا إليك ندعوك إلى دين الإسلام وتكون من أهل ملتنا، ويكون لك ما لنا وعليك ما علينا فإن ديننا شريف ونبينا شريف فقال: ما أحب ذلك ولا غيره إنني ضنين بديني وأنتم يا معاشر الأوس والخزرج رضيتم لأنفسكم أمرًا ونحن رضينا لأنفسنا أمرًا لكم دينكم ولنا ديننا. فقال له الأنصاري: إن كنت لا تحب أن تفارق دينك الذي أنت عليه فاعتزل عن قتالنا لتنظر لمن