فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 611

تكون العاقبة والغلبة فإن كانت لنا وأردت الدخول في ديننا قبلناك وكنت منا وأخانا، وإن أقمت على دينك قنعنا منك بالجزية وأقررناك على بلدك وعلى مواطن كثيرة لآبائك وأجدادك.

فقال جبلة: أخشى إن تركت حربكم وقتالكم وكانت الدائرة للقوم لا آمن أن يتقووا على بلدي، لأن الروم لا ترضى مني إلا أن أكون مقاتلًا لكم وقد رأسوني على جميع العرب وأنا لو دخلت دينكم كنت دنيئًا ولا أتبع، فقال الأنصاري: فإن أبيت ما عرضناه عليك فإن ظفرنا بك قتلناك فاعتزل عنا وعن سيوفنا فإنها تفلق الهام وتبري العظام فتكون الوقعة بغيرك أحب إلينا من الوقعة بك وبمن معك قال: وكانت الأنصار يريدون بهذا الكلام تخويفه وترغيبه كي ينصرف عنهم وجبلة يأبى ذلك. فقال: وحق المسيح والصليب لابد أن أقاتل عن الروم ولو كان لجميع الأهل والقرابة. فقال له قيس بن سعد: يا جبلة أبيت إلا أن يحتوي الشيطان على قلبك فيهوي بك في النار فتكون من الهالكين، وإنما أتينا لندعوك إلى دين الإسلام لأن رحمك متصلة برحمنا فإن أبيت فستعاين منا حربًا شديدًا يشيب فيه الطفل الصغير! ثم وثب قيس بن سعد وقال لقومه: انهضوا على بركة الله تعالى وعونه وحسن طاعته فبعدًا له وسحقًا! فقام جبلة فاستعد للقتال بعدته. قال: فركب الأنصار خيولهم ورجعوا إلى الأمير أبي عبيدة وخالد بن الوليد رضي الله عنهما وأعلموهما بمقالة جبلة وأنه ما يريد إلا القتال.

فقال خالد - رضي الله عنه: أبعده الله تعالى، .... لينظرن منَّا جبلة ما ينظر. ثم قال - رضي الله عنه: اعلموا معاشر المسلمين أن القوم في ستين ألف فارس من العرب المتنصرة وهم حزب الشيطان، ونحن ثلاثون ألف فارس من حزب الرحمن، ونريد أن نلقى هذا الجمع الكبير! فإن قاتلنا جبلة بجمعنا كله كان ذلك وهنًا منَّا، ولكن ينتدب منَّا أبطال ورجال إلى قتال هؤلاء العرب المتنصرة. فقال أبو سفيان صخر بن حرب: لله درك يا أبا سليمان، فلقد أصبت الرأي فاصنع ما تريد وخذ من الجيش ما أحببت. فقال: إني قد رأيت من الرأي أن نندب من جيشنا ثلاثين فارسًا فيلقى كل واحد ألفي فارس من العرب المتنصرة! فلم يبق أحد من المسلمين إلا عجب من مقالة خالد - رضي الله عنه - وظنُّوا أنه يمزح بمقالته، وكان أول من خاطبه في ذلك أبو سفيان وقال: يا ابن الوليد هذا كلام منك جد أو هزل؟! فقال خالد - رضي الله عنه: لا ما قلت إلا جدًا. فقال أبو سفيان: فتكون مخالفًا لأمر الله تعالى ظالمًا لنفسك! وما أظن أن لك في هذه المقالة مساعدًا، ولو قاتل الرجل منَّا مائتين كان ذلك أسهل من قولك يقاتل الرجل منَّا ألفين، وإن الله - عز وجل - رحيم بعباده فرض علينا أن الرجل منَّا يقاتل الرجلين والمائة المائتين والألف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت