فهرس الكتاب
فقال جبلة: يا أخا بني مخزوم أغد كنت أفضلك في عقلك وأروم بك مرام الأبطال حتى سمعت منك هذا الكلام إنك أنت والستين رجلًا ترومون قتالنا ونحن سادات غسان وأبطال الزمان ها أنا أحمل بهذه الستين ألف فارس فلا يبقى منكم أحد، ثم صاح جبلة بقومه: يا آل غسان الحملة، فلما سمعوا كلام سيدهم حمل الستون ألف فارس في وجه خالد بن الوليد والستين رجلًا فثبت لهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واشتبكت الحرب بينهم؛ فما كنت تسمع إلا زئير الرجال وزمجرة الأبطال ووقع السيف على البيض الصقال حتى ما ظن أحد من المسلمين ولا من المشركين أن خالدًا ومن معه ينجو منهم أحد فبكى المسلمون وأخذهم القلق على إخوانهم وجعل بعضهم يقول: لقد غرر خالد بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهلكهم والروم تقول: إنْ أهلك جبلة هؤلاء القوم فهلاك العرب حاصل بأيدينا لا محالة! ولم يزل القوم في الحرب والقتال حتى قامت الشمس في كبد السماء.
قال عبادة بن الصامت - رضي الله عنه: فلله در خالد بن الوليد والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق والفضل بن العباس وضرار بن الأزور وعبد الله بن عمر بن الخطاب رضوان الله عليهم أجمعين، لقد رأيت هؤلاء الستة قد قرنوا مناكبهم في الحرب وقام بعضهم بجنب بعض وهم لا يفترقون وزادت الحرب اشتعالًا وخرقت الأسنة صدور الليوث حتى بلغت إلى خزائن القلوب لانقطاع الآجال ولم يزالوا في القتال الشديد الذي ما عليه من مزيد. قال عبادة بن الصامت: فحملت معهم وكنت في جملتهم، وقلت: يصيبني ما يصيبهم! ونادى خالد بن الوليد وقال: يا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هاهنا المحشر وقد أعطى خالد القلب مناه! فلما حمي بينهم القتال حمل خالد بن الوليد وهاشم والمرقال وتكاثرت عليهم الرجال فلله در الزبير بن العوام والفضل بن العباس وهم ينادون: أفرجوا يا معاشر الكلاب وتباعدوا عن الأصحاب نحن الفرسان هذا الزبير بن العوام، وأنا الفضل بن العباس أنا ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال عبادة - رضي الله عنه: لقد أحصيت للفضل بن العباس عشرين حملة يحملها عن خالد بن الوليد حتى أزال عنه الرجال والأبطال وحملوا على المشركين حملة عظيمة ولم يزالوا في القتال يومهم إلى أن جنحت الشمس إلى الغروب، والمسلمون قد جهدهم القلق على إخوانهم. أما الأمير أبو عبيدة - رضي الله عنه - فإنه صاح بالمسلمين وقال: يا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هلك خالد بن الوليد ومن معه لا محالة وذهبت فرسان المسلمين فاحملوا بارك الله فيكم لننظر ما كان من أمر إخواننا فكل أجاب إلى قوله وإشارته إلا أبا سفيان - رضي الله عنه - فإنه قال للأمير أبي عبيدة - رضي الله عنه: لا تفعل أيها الأمير فإنه لابد للقوم أن يتخلصوا ونرى ما يكون من أمرهم! فلم يلتفت أبو عبيدة