فهرس الكتاب
-رضي الله عنه - إلى كلامه وهمَّ أن يحمل وقد أخذه القلق! فبينما هو كذلك وإذا جيش العرب المتنصرة منهزمون وأصوات الصحابة - رضي الله عنهم - قد ارتفعت بالتهليل والتكبير كل ينادي: أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله. والعرب المتنصرة منهزمة على أعقابهم كأنَّما صاح بهم صائح من السماء فبدد شملهم، وأقبل خالد بن الوليد - رضي الله عنه - من وسط المعمعة يلتهب مما لحقه من التعب، وكذا أصحابه الذين كانوا معه.
وإن خالدًا افتقد أصحابه الستين فلم يجد منهم إلا عشرين! فجعل يلطم على وجهه وهو يقول: أهلكت المسلمين يا ابن الوليد فما عذرك غدًا عند الرحمن وعند الأمير عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -؟! فبينما هو متحير في ذلك إذ أقبل عليه الأمير أبو عبيدة - رضي الله عنه - وفرسان المسلمين وأبطال الموحِّدين فنظر أبو عبيدة - رضي الله عنه - إلى خالد وما يصنع بنفسه، وقد اشتغل عن متابعة المشركين، فقال أبو عبيدة: يا أبا سليمان الحمد لله على نصر المسلمين ودمار المشركين. فقال خالد: اعلم أيها الأمير إن الله قد هزم الجيش، ولكن أعقبتك الفرحة ترحة! فقال أبو عبيدة: وكيف ذلك؟ فقال خالد: أيها الأمير فقدت أربعين رجلًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم الزبير بن العوام ابن عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيهم الفضل بن العباس وجعل خالد بن الوليد - رضي الله عنه - يسمي فرسان المسلمين واحدًا بعد واحد حتى سمى أربعين رجلًا فاسترجع أبو عبيدة - رضي الله عنه -، وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقال لخالد: لابد لعجبك يهلك المسلمون. فقال سلامة بن الأحوص السلمي: أيها الأمير دونك والمعركة فاطلب فيها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن رأيتموهم وإلا فالقوم أسرى أو قد تبعوا المشركين فأمر أبو عبيدة فأتوا بهوادئ النيران، وكان الظلام قد اعتكر فافتقدوا المعركة بين القتلى فإذا قتل من العرب المتنصرة خمسة آلاف فارس وسيدان من ساداتهم وهما رفاعة بن مطعم الغساني والآخر شداد بن الأوس ووجدوا من قتلى المسلمين عشرة رجال منهم اثنان من الأنصار أحدهما عامر الأوسي والآخر سلمة الخزرجي.
فقال أبو عبيدة - رضي الله عنه: يوشك أن بعض الصحابة قد تبع المشركين! ثم قال:"اللهم ائتنا بالفرج القريب ولا تفجعنا بابن عمة نبيك الزبير بن العوام ولا بابن عمه الفضل بن العباس"، ثم قال: معاشر المسلمين من يقفو لنا أثر القوم ويتعرف خبر الصحابة وأجره على الله. - عز وجل - فكان أول من أجابه خالد - رضي الله عنه -. فقال له الأمير أبو عبيدة: لا تفعل يا أبا سليمان لأنَّك تعبت من شدة الحرب. فقال خالد: والله لا يمضي في طلبهم غيري! ثم غيَّر جواده بفرس حازم بن جبير بن عدي من بني النجار فركبه وطلب آثار القوم وتبعه جماعة من المسلمين! فما سار خالد بعيدًا