فهرس الكتاب
الله خير له من غوثنا ونجدتنا فيوشك أنه في أمر عظيم! فقام عمر ورقى المنبر وخطب خطبة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون وذكر فضل الجهاد ثم نزل وصلى بالمسلمين.
فلما فرغ من صلاته كتب إلى أبي عبيدة كتابًا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أمين الأمة أبي عبيدة بن الجراح ومن معه من المهاجرين والأنصار سلام عليكم فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - أما بعد فإن نصر الله خير لكم من معونتنا، واعلموا أنه ليس بالجمع الكثير يهزم الجمع القليل وإنما يهزم بما أنزل الله من النصر وأن الله - عز وجل - يقول:"وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ" (الأنفال:19) ، وربما ينصر الله العصابة القليل عددها على العصابة الكثيرة وما النصر إلا من عند الله، وقد قال تعالى:"فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا" (الأحزاب:23) يا طوبى للشهداء ويا طوبى لمن يتكل على الله. فالق العدو بمن معك من المسلمين ولا تيأس بمن صرع من المسلمين، فقد رأيت من صرع بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما عجزوا عن عدوهم في مواطن كثيرة حتى قتلوا في سبيل الله، ولم يهابوا لقاء الموت في جنب الله تعالى بل جاهدوا في سبيل الله حق جهاده وَمَا كَانَ"قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ" (آل عمران:147) فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقرأه على المسلمين وأمرهم أن يقاتلوا العدو في سبيل الله - عز وجل - واقرأ عليهم"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (آل عمران:200) ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
ثم طوى الكتاب وسلمه إلى عبد الله بن قرط، وقال له: يا ابن قرط إذا أشرفت على المسلمين وقد استوت الصفوف فسر بين صفوف الموحدين وقف على أصحاب الرايات منهم وخبرهم أنك رسولي إليهم وقل لهم إن عمر بن الخطاب يسلم عليكم ويقول لكم: يا أهل الإيمان اصدقوهم الحرب عند اللقاء وشدوا عليهم شد الليوث واضربوا هاماتهم بالسيوف وليكونوا عليكم أهون من الذباب فإنكم المنصورون عليهم إن شاء الله تعالى، ثم اقرأ عليهم:"وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ" (المائدة: 56) . قال عبد الله بن قرط: قلت له: يا أمير المؤمنين ادع الله تعالى لي بالسلامة والسرعة في السير. فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه:"اللهم ارحمه وسلمه واطو له البعيد إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير".