فهرس الكتاب
على كل كفار لعين معاند تراه ... على الصلبان بالله يكفر
قال سعيد بن عامر: وكنت عارفًا ببلاد الشام وطرقه وكنت أسير إليه في السنة مرة أو مرتين عسفًا من غير جادة طريق أسير على الكواكب، فلما سرت من المدينة وأنا بين يدي المسلمين سلكت بهم على طريق بصرى فضللت عن الطريق وعدلت عن الجادة وأنا محترز من العدو وخائف على المسلمين فجعلت أحيد عن العمارات وأسلك الفلاة توفيقًا من الله وإكرامًا ولطفًا بعباده المؤمنين، فلما ضللت أشكل علي الطريق كأني ما سلكته يومًا قط فوقفت حائرًا حتى تلاحق بي المسلمون فلم أعلمهم بأمري، ولا أني ضللت عن الطريق، وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فسرت يومين وليلتين وأنا أتيه بالناس والمسلمون يسألونني عن ذلك، وأنا أقول لهم إني على طريق، فلما كان في اليوم العاشر من مسيرنا من المدينة لاح لي جبل عظيم فنظرت إليه وحققته فلم أعرفه، فقلت: غررت والله بالمسلمين، وأنا أقول في نفسي: أترى هذا جبل بعلبك وقد سهل علينا الطريق، وكان الجبل قد لاح لنا من بعيد من أول النهار وما أدركناه إلا والليل قد أقبل، فلما صرنا بقربه اعترضنا واد عظيم فيه شجرة عظيمة كبيرة فلما تأملتها عرفتها، وقلت لأصحابي: أبشروا فقد وصلنا إلى بلاد الشام! وفرح المسلمون ودخلنا الوادي؛ وإذا به وعر ليس فيه جادة ولا طريق فلحق المسلمين من هوله تعب عظيم. قال سعيد وكان أكثر المسلمين رجالة، وإنما كان يحمل بعضهم بعضًا ويتعقبون على ظهور الخيل والإبل.
فلما نظر المسلمون إلى وحشة ذلك الوادي ووعورة مسلكه قالوا: يا سعيد إنَّا نظن أنك قد أخطأت الطريق وسلكت بنا غير طريقنا فأرحنا في هذا الوادي قليلًا فقد أضر بنا المسير قال فأجبتهم إلى ذلك، وكان في الوادي عين ماء غزيرة فنزل المسلمون عليها فشربوا وسقوا خيلهم وإبلهم ورعت الخيل والجمال ورق الشجر ونام أكثر الناس وبعضهم يصلي على محمد - صلى الله عليه وسلم -. قال سعيد: وكنت جلست في آخر الناس أحرسهم، وأنا أتلو القرآن العظيم، وأدعو الله لنا بالسلامة إذ غلبتني عيني فنمت فرأيت في منامي كأني في جنة خضراء كثيرة الأشجار والثمار وكأني آكل من ثمرها وأشرب من أنهارها وأجني من ثمرها وأناول أصحابي وهم يأكلون، وأنا فرح مسرور. فبينما أنا كذلك إذ خرج من بين تلك الشجر أسد عظيم فزأر في وجهي وهمَّ أن يفترسني. وأنا من ذلك فزع مرعوب إذ خرج على الأسد أسدان عظيمان فصرعاه في موضعه فسمعت له خوارًا عظيمًا فانتبهت من نومي وحلاوة ذلك الثمر في فمي،