فهرس الكتاب
قال معاذ بن جبل - رضي الله عنه: وسرنا ونحن نعلن بالتهليل والتكبير. قال نصر بن سالم المازني: فنظرت إلى أبي عبيدة - رضي الله عنه - حين سار خالد بمن معه يقرأ آية من القرآن ودموعه جارية على خده. فقلت: أيها الأمير ما يبكيك؟ فقال: يا ابن سالم هؤلاء والله أنصار الدين فإن أصيب رجل منهم في إمارة أبي عبيدة فما يكون عذري عند رب العالمين وعند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -؟!
فلما أشرف خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ومن معه على عساكر الروم نظر المسلمون إلى عساكر الروم وهم خمسة فراسخ في العرض، وعن نوفل بن دحية أن خالدًا لما ترجَّل عن جواده وترجَّل المائة جعلوا يتبخترون في مسيرهم، ويجرون حمائل سيوفهم، ويخترقون صفوف الحجاب والبطارقة، ولا يهابون أحدًا، إلى أن وصلوا إلى النمارق والفراش والديباج، ولاح لهم ماهان وهو جالس على سريره، فلما نظر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ما ظهر من زينته وملكه عظموا الله تعالى وكبروه وطرحت لهم الكراسي فلم يجلسوا عليها، بل رفع كل واحد منهم ما تحته وجلسوا على الأرض، فلما نظر ماهان إلى فعلهم تبسم وقال: يا معاشر العرب لم تأبون كرامتنا ولم أزلتم ما تحتكم من الكراسي وجلستم على الأرض ولم تستعملوا الأدب معنا ودستم على فراشنا. فقال خالد بن الوليد: إن الأدب مع الله تعالى أفضل من الأدب معكم وبساط الله أطهر من فرشكم لأن نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قال: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ثم قرأ قوله تعالى:"مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى" (طه:55) .
.عن طرفة بن شيبة الخولاني عن عمه جرير وكان محالفًا لخالد بن الوليد - رضي الله عنه - قال: قال خالد يا ماهان إني أكره أن أبدأك بالكلام فتكلم أنت بما تريد فإني لست أبالي بما تتكلم ولكل كلام جواب فإن شئت فتكلم وإن شئت بدأتك! قال ماهان: أنا أبدؤكم، الحمد لله الذي جعل سيدنا الروح المسيح كلمته وملكنا أفضل الملوك وأمتنا خير الأمم. فعظم ذلك على خالد بن الوليد فقطع كلامه، فقال الترجمان: لا تقطع كلام الملك يا أخا العرب واستعمل حسن الأدب! فأبى خالد أن يسكت وقال: الحمد لله الذي جعلنا نؤمن بنبينا ونبيكم وجميع الأنبياء، وجعل أميرنا الذي وليناه أمورنا كبعضنا لو زعم أنه يملك علينا لعزلناه، فلسنا نرى أن له فضلًا علينا إلا أن يكون أتقى لله - عز وجل - منَّا، وقد جعل الله أمتنا تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتقِّر بالذنب وتستغفر منه وتعبد الله تعالى وحده لا شريك له!