فهرس الكتاب
فاصفرَّ وجه ماهان وسكت قليلًا. ثم قال: الحمد لله الذي أبلانا وأحسن البلاء إلينا وعافانا من الفقر ونصرنا على الأمم وأعزنا ومنعنا من الضيم ولسنا فيما خولنا الله فيه من نعيم الدنيا بطرين ولا باغين على الناس. وقد كان يا معاشر العرب طائفة منكم يغشوننا ويلتمسون نائلنا ورفدنا وجوائزنا، ونحن نحسن إليهم ونكرمهم، ونكرم ضعيفهم، ونعظِّم قدرهم ونتفضل عليهم، ونفي لهم بالوعد! وكنا نظن أن العرب كلها تعرف لنا ذلك من جميع القبائل وتشكرنا عليه لما أسدينا من عطايانا الجميلة لهم! فما شعرنا حتى جئتمونا بالخيل والرَّجْل وظنَّنا أنكم تطلبون منَّا طلب إخوانكم؛ فإذا أنتم على خلاف رأي أولئك، جئتم تقتلون الرجال وتسبون النساء وتغنمون الأموال وتهدمون الأطلال! وتطلبون أن تخرجونا من أرضنا وتغلبونا على بلادنا! وقد طلب منَّا ذلك من كان قبلكم ممَّن هو أكثر منكم عددًا وأكثر أموالًا وسلاحًا وظهرًا فرددناهم خائفين وجلين خائبين بين قتيل وجريح وطريد وطريح؛ فأول ما فعلنا ذلك بملك فارس فرده الله على عقبيه بالخيبة والذل، وكذلك فعلنا بملك الترك وملك الجرامقة وغيرهم، وأنتم لم تكن أمة من الأمم أصغر منكم مكانًا ولا أحقر شأنًا! لأنكم أهل الشعر والوبر والبؤس والشقاء، وإنَّكم مع ذلك تظلمون في بلادكم وبلادنا، وحوالينا أمة كثيرة العدد، وشوكتنا شديدة، وعصبتنا عظيمة، وإنما أقبلتم علينا لأنكم خرجتم من جدوبة الأرض وقحط المطر! فانجلبتم إلى بلادنا وأفسدتم كل الفساد، وركبتم مراكب ليست كمراكبكم، ولبستم ثيابًا ليست كثيابكم، وتمتعتم ببنات الروم البيض الأوانس فجعلتموهنَّ خدمًا لكم! وأكلتم طعامًا ليس كطعامكم، وملئت أيديكم من الذهب والفضة والمتاع الفاخر! ولقد لقيناكم الآن ومعكم أموالنا وما غنمتموه من قومنا وأهل ديننا وقد تركناه لكم لا نطالبكم به ولا ننازعكم فيه ولا نعتب عليكم فيما تقدم من فعالكم والآن فاخرجوا من بلادنا فإن أبيتم الانصراف عنا عزمنا عليكم عزمة فنترككم كأمس الدابر، وإن جنحتم للصلح نأمر لكل واحد من عسكركم بمائة دينار وثوب ولأميركم أبي عبيدة بألف دينار ولخليفتكم عمر بن الخطاب بعشرة آلاف دينار على أنكم تحلفون لنا أن لا تعودوا إلى حربنا.
قال الواقدي: وماهان يرغِّب تارة ويرهِّب أخرى وخالد مطرق لا يتكلم حتى فرغ ماهان من كلامه. فقال خالد: إن الملك قد تكلم فأحسن وسمعنا كلامه ونتكلم ويسمع كلامنا. ثم قال خالد بن الوليد - رضي الله عنه: الحمد لله الذي لا إله إلا هو، فلما سمع ماهان ذلك مد يده إلى السماء وقال: نعم ما قلت يا عربي. فقال: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله