فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 611

انتهى إلى معاذ بن جبل وقال له مثل ذلك. قال معاذ بن جبل: سمعًا وطاعة، ثم أقبل معاذ على الناس، وقال: أما إنكم قد أمرتم بطاعة رجل ميمون الغرة مبارك الطلعة، فإن أمركم بأمر فلا تخالفوه فيما يأمركم به، فما يريد غير صلاح المسلمين والأجر من رب العالمين! قال: فقلت لمعاذ بن جبل: إنك لتقول في خالد قولًا عظيمًا، فقال: ما أقول إلا ما قد عرفته فلله دره، وقال الضحاك: فرجعت إلى خالد وأخبرته بما تكلم به معاذ بن جبل وبما أثنى به عليه فأثنى عليه، وقال: هو أخي في الله تعالى، ولقد سبقت له ولأصحابه سوابق لا يفعلها خالد بن الوليد فمن يناله؟ قال الضحاك: فرجعت إلى معاذ بن جبل وأخبرته بما قال خالد وبما أثنى به عليه وما ذكره من أمره وبما أورده من علو شأنه، فقال معاذ: والله إني أحبه في الله تعالى، وأرجو من الله أن يكون قد أثابه بحسن نيته ونصيحته للمسلمين.

فلما وصى الضحاك بن قيس أصحاب الرايات بقول أبي عبيدة بالطاعة لخالد بن الوليد - رضي الله عنه - جعل خالد يسير بين الصفوف ويقف على كل راية، ويقول: يا أهل الإسلام إن الصبر قد عزم إن شاء الله تعالى على صحبتكم، والفشل والجبن سببان من أسباب الخذلان، فمن صبر كان حقًا على الله نصره على عدوه لأن الله معه، ومن صبر على حد السيوف فإنه إذا قدم على الله تعالى أكرم منزلته وشكر له فعله وسعيه والله يحب الشاكرين. قال: وما زال خالد - رضي الله عنه - يقول هذا الكلام لأهل كل راية حتى مر بجماعة الناس. ثم إن خالدًا جمع إليه خيل المسلمين من أهل الشدة والصبر ومن شهد معه الزحف، فقسمهم أربعة أرباع فجعل على أحدهم قيس بن هبيرة المرادي، وقال له: أنت فارس العرب فكن على هذه الخيل واصنع كما أصنع، وجعل على الربع الآخر ميسرة بن مسروق العبسي وأوصاه بمثل ذلك، ودعا عامر بن الطفيل على الربع الثالث وأوصاه بمثل ذلك ووقف خالد مع عسكر الزحف.

فلم تطلع الشمس إلا وقد فرغوا من تعبية صفوفهم للحرب. وأما ماهان فإنه أمر الروم بالزينة والأهبة للحرب ففعلوا ذلك، إلا أن المسلمين كانوا أسرع في التعبية. وزحف الروم إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونظروا إلى تعبيتهم فكان عسكر المسلمين صفوفًا كالبنيان المرصوص، وكأن الطير تظلهم والصفوف متلاصقة والرماح مشرعة مشتبكة. فلما رأى الروم ذلك داخلهم الفزع والجزع وألقى الله الرعب في قلوبهم، ثم إن ماهان عبى عسكره فجعل العرب المتنصرة من غسان ولخم وجذام في مقدمة الصفوف، وجعل عليهم جبلة وقدم أمامهم صليبًا من الفضة وزنه خمسة أرطال وهو مطلي بالذهب، وفي أربعة أركانه أربع جواهر تضيء كأنها الكواكب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت