فهرس الكتاب
حدثني عدي بن الحارث الهمذاني، وكان ممن حضر الفتوح من أولها إلى آخرها. وكانت الصفوف التي صفها ماهان ثلاثين صفًا كل صف منها مثل عسكر المسلمين كله، وقد أظهر ماهان بين الصفوف القسوس والرهبان وهم يتلون الإنجيل ويترنمون وأكثر من الرايات والأعلام والصلبان، فلما تكاملت صفوفهم وإذا ببطريق عظيم الخلقة قد برز وعليه درع مذهب ولأمة حرب مليحة وفي عنقه صليب من الذهب مرصع بالجوهر وتحته فرس أشهب، وكان البطريق من عظماء الروم ممن يقف عند سرير الملك، فلما برز جعل يرطن بكلام الروم بصوت كالرعد فعلم المسلمون أنه يطلب البراز، فتوقف المسلمون عن الخروج إليه فصاح خالد، وقال: يا أصحاب رسول الله هذا العلج الأغلف يدعوكم لقتاله وأنتم تتأخرون، فإن لم تخرجوا إليه وإلا خرج خالد! وهمَّ بالخروج وإذا بفارس قد خرج من المسلمين على برذون أشهب عظيم الخلقة يشبه برذون المشرك وعلى المسلم لأمة حسنة وعدة سابغة وقصد نحو البطريق فلم يكن في رجال خالد من يعرف الفارس الذي خرج!
فقال خالد لهمَّام مولاه: اخرج إلى هذا الفارس وانظر من هو من المسلمين؟ فمضى همام إليه وقد همَّ أن يقرب من البطريق فصاح به: من أنت يا ذا الرجل من المسلمين -رحمك الله-؟ فقال: أنا روماس صاحب بصرى! فلما أخبر خالد به قال: اللهم بارك فيه وزد في نيته! فلما صار بإزاء العلج كلمه بلسانه، فقال الرومي وقد عرفه: يا روماس كيف تركت دينك وصبأت إلى دين هؤلاء القوم؟ فقال روماس: هذا الدين الذي دخلت فيه دين جليل شريف، فمن تبعه كان سعيدًا ومن خالفه فقد ضل. ثم حمل روماس على العلج وحمل العلج على روماس وتقاتلا ساعة حتى عجب الجمعان منهما، فوجد العلج من روماس غفلة فضربه ضربة أسال دمه. فأحس روماس بالضربة، وقد وصلت إليه فانثنى راجعًا نحو المسلمين فأتبعه العلج طالبًا له لا يقصر عن طلبه، وكاد أن يدركه فصاح به فرسان المسلمين من الميسرة والميمنة فقوي قلب روماس وداخل العلج الجزع والخوف من صياحهم والهلع وقصر عن طلبه، ودخل روماس عسكر المسلمين والدم على وجهه فائر فأخذه جماعة من المسلمين فشدوا جراحه وشكروه على فعله ووعدوه بالغفران من الله تعالى وهنئوه بالسلامة.
ولما رجع روماس منهزمًا أعجب العلج بنفسه وأظهر عناده وأغلظ في كلامه وطلب البراز فهم أن يخرج إليه ميسرة بن مسروق العبسي، فقال له خالد: يا ميسرة إن وقوفك في مكانك أحبَّ إلي من خروجك إلى هذا العلج وأنت شيخ كبير وهذا علج عظيم الخلق، والشاب شجاع ولا أحب أن تخرج إليه، فإنه لا يكاد الشيخ الكبير يقاوم الشاب الحدث، ولاسيما أن