فهرس الكتاب
فأخبروا يزيد بن ربيعة بما قال المتنصر فقال ربيعة بن عامر: أنا أسير إلى القوم. فقال يزيد: يا ربيعة أنا أخاف عليك من القوم لأنك قد قتلت كبيرهم بالأمس. فقال ربيعة:"قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ" (التوبة:51) ، وإني أوصيك والمسلمين أن تكون همتكم عندي فإذا رأيتم القوم غدروا بي فاحملوا عليهم ثم ركب جواده وسار حتى أتى جيش الروم وقرب من سرادق أميرهم. فقال القداح: عظم جيش الملك وانزل عن جوادك. فقال ربيعة - رضي الله عنه: ما كنت بالذي أنتقل من العز إلى الذل ولست أسلم جوادي لغيري وما أنا بنازل إلا على باب السرادق وإلا رجعت من حيث جئت لأننا ما بعثنا إليكم، بل أنتم بعثتم إلينا! قال: فأعلم القداح الروم بما تكلم به ربيعة بن عامر. فقال بعضهم لبعض: صدق العربي في قوله دعوه ينزل حيث أراد.
فنزل ربيعة على باب السرادق وجثا على ركبته وأمسك عنان جواده بيده وسلاحه معه. فقال له جرجيس: يا أخا العرب لم تكن أمة أضعف منكم عندنا وما كنا نحدث أنفسنا أنكم تغزوننا وما الذي تريدون منا؟ فقال ربيعة: نريد منكم أن تدخلوا في ديننا، وأن تقولوا بقولنا، وإن أبيتم تعطونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون وإلا فالسيف بيننا وبينكم. فقال جرجيس: فما منعكم أن تقصدوا الفرس وتدعون الصداقة بيننا وبينكم؟. فقال ربيعة: بدأنا بكم لأنكم أقرب إلينا من الفرس، وإن الله تعالى أمرنا في كتابه بذلك قال الله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً" (التوبة:123) ، قال جرجيس: فهل لك أن تعقد الصلح بيننا وبينكم وأن نعطي كل رجل منكم دينارًا من ذهب وعشرة أوسق من الطعام وتكتبوا بيننا وبينكم كتاب الصلح لا تغزون إلينا ولا نغزوا إليكم؟ قال ربيعة: لا سبيل إلى ذلك وما بيننا وبينكم إلا السيف أو أداء الجزية أو الإسلام.
قال جرجيس: أما ما ذكرت من دخولنا في دينكم فلا سبيل إلى ذلك ولو نهلك عن آخرنا لأننا لا نرى لديننا بدلًا. وأما إعطاء الجزية فإن القتل عندنا أيسر من ذلك، وما أنتم بأشهى منا إلى القتال والحرب والنزال لأن فينا البطارقة وأولاد الملوك رجال الحرب وأرباب الطعن والضرب. قال جرجيس لأصحابه: علي ب"أنفس صقالبة"حتى يناظر هذا البدوي في كلامه. وكان الملك هرقل قد بعث معهم قسيسًا عظيمًا عارفًا بدينهم مجادلًا عن شرعهم.
فأتى الحاجب به، فلما استقر به الجلوس قال له جرجيس: يا أبانا أستخبر من هذا الرجل عن شريعتهم، وعن دينهم. فقال القسيس: يا أخا العرب إنا نجد في علمنا أن الله تعالى يبعث من الحجاز نبيًا عربيًا هاشميًا قرشيًا علامته أن الله تعالى يسري به إلى السماء أكان ذلك أم لا؟