فهرس الكتاب
قال: نعم أسري به، وقد ذكره ربنا في كتابه العزيز بقوله تعالى:"سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ" (الإسراء:1) ، قال القسيس: إنا نجد في كتابنا أن ربنا يفرض على هذا النبي وأمته شهرًا يصومونه يقال له شهر رمضان. قال ربيعة: نعم، وقد قرأنا في القرآن العظيم:"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ" (البقرة:185) ، فقال القسيس: إنا وجدنا في كتابنا أن من أحسن حسنة تكتب بعشرة. قال ربيعة: نعم، قال الله تعالى:"مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ" (الأنعام:160) ، قال القسيس: إنا نجد في كتابنا أن الله يأمر أمته بالصلاة عليه. قال ربيعة: نعم، وقد قال الله في كتابه العزيز:"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (الأحزاب:56) .
فعجب جرجيس من كلامه وقال للبطارقة: إن الحق مع هؤلاء القوم! فقال بعض الحجاب: إن هذا هو الذي قتل أخاك. فلما سمع ذلك ازورَّت عيناه وغضب غضبًا شديدًا وهمَّ أن يثب على ربيعة ففهم ربيعة ذلك منه فوثب من مكانه أسرع من البرق وضرب بيده إلى قائم سيفه وعجل جرجيس بضربة فجندله صريعًا ووثب على فرسه فركبها فأسرعت البطارقة إليه وهو راكب فحمل فيهم ونظر يزيد بن أبي سفيان إلى ذلك فقال للمسلمين: إن أعداء الله قد غدروا بصاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدونكم وإياهم، فحمل المسلمون على المشركين واختلط الجيش بالجيش وصبرت الروم لقتال العرب فبينما هم في القتال إذ أشرفت جيوش المسلمين مع شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما نظر المسلمون إلى إخوانهم في القتال حملوا على القوم حملة صادقة وحكمت سيوفهم في قمم الروم.
قال الواقدي: لقد بلغني أن الثمانية آلاف المذكورة من الروم لم ينج منهم أحد لأن العرب التقطوهم بسبق الخيل وبُعد الشام من تبوك، ثم إن المسلمين أخذوا أموالهم وخيامهم، ثم سلموا على شرحبيل ومن معه وجمعوا المال والغنائم. فقالوا: نبعث الجميع إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فرضوا بذلك وبعثوا الجميع إلا العدة والسلاح، وبعثوا مع الغنائم والأموال شداد بن أوس - رضي الله عنه - في خمسمائة فارس، ولما وصل بالمال إلى المدينة المنورة وعاين المسلمون أموال المشركين رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير، والصلاة على البشير النذير محمد - صلى الله عليه وسلم -، وسمع الصديق بقدوم شداد بن أوس - رضي الله عنه - ومن معه من المسلمين ففرح بذلك فرحًا شديدًا، ثم أقبلوا إلى الصديق وأعلموه بالفتح بعد أن سلموا عليه فسجد لله - عز وجل -.