فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 611

ثم كتب كتابًا إلى أهل مكة يستدعيهم إلى الجهاد مضمونه: بسم الله الرحمن الرحيم من أبي بكر إلى أهل مكة وسائر المؤمنين فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -. أما بعد: فإني قد استنفرت المسلمين إلى الجهاد وفتح بلاد الشام، وقد كتبت إليكم وإلى المسلمين أن تسرعوا إلى ما أمركم به ربكم تبارك وتعالى: إذ يقول الله - عز وجل:"انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ" (التوبة:41) وهذه الآية فيكم وأنتم أحق بها وأهلها، وأول من صدق وقام بحكمها من ينصر دين الله فالله ناصره، ومن بخل استغنى الله عنه والله غني حميد، فسارعوا إلى جنة عالية قطوفها دانية أعدها الله للمهاجرين والأنصار، فمن اتبع سبيلهم كتب من الأولياء الأخيار، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وختم الكتاب ودفعه إلى عبد الله بن حذافة، فأخذه وسار حتى وصل مكة وصرخ في أهلها، فاجتمعوا إليه فدفع إليهم الكتاب فقرؤوه على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما سمعوه قال سهل بن عمرو والحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل، وغيرهم: أجبنا داعي الله وصدقنا قول نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، فأما عكرمة فإنه قال: إلى متى نبسط لأنفسنا وقد سبقنا القوم إلى المواطن، وقد فاز من فاز بالصدق، وإن كنا تأخرنا عن السبق فاللحاق السباق فلعلنا نكتب في الحال .. ثم خرج عكرمة بن أبي جهل في بني مخزوم وخرج الحارث بن هشام معهم وتلاحق أهل مكة خمسمائة رجل، وكتب أبو بكر للطائف فخرجوا في أربعمائة رجل.

قال الواقدي: خرج بهم سعيد بن خالد بن سعيد بن العاص وكان غلامًا نجيبًا، وذلك أن سعيد بن خالد أتى إلى الصديق - رضي الله عنه -. فقال: يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنك أردت أن تعقد لأبي خالد راية ويكون قائدًا من قواد جيشك، فتكلم فيه المتكلمون فعزلته حين رجع من بعثتك، وقد حبس نفسه في سبيل الله - عز وجل - ولم أزل مجيبًا دعوتك في بعثتك، فهل لك أن تقدمني على هذا الجيش، فوالله لا يراني الله وانيًا أبدًا ولا عاجزًا عن الحرب! قال: وكان سعيد بن خالد أنجب من أبيه وأفرس، فعقد له أبو بكر راية ودفعها إليه وأمَّره على ألفين من العرب.

فلما سمع عمر بن الخطاب كلام سعيد بن خالد وأنه خير من أن يكون أميرًا كره له ذلك وأقبل على الصديق - رضي الله عنه -. وقال: يا خليفة رسول الله عقدت هذه الراية لسعيد بن خالد على من هو خير منه، ولقد سمعته يقول عندما عقدتها:"على رغم الأعادي"والله لتعلم أنه ما يريد بالقول غيري، ووالله ما تكلمت في أبيه. قال: فثقل ذلك على أبي بكر وكره أن لا يعقد له، وكره أيضًا أن يخالف عمر لمحبته له ونصحه ومنزلته عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ووثب قائمًا، ودخل على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت