فهرس الكتاب
ولكن إن رجعت إليك أتزيد في أجلي؟ قال: لا، قال: فلم اختار الفرار وأكون من أصحاب النار؟! بل أصبر وأفوز بالغفران من الله تعالى؛ ثمَّ إنه عطف على قرنه وليس في يده سيف بل استل خنجرًا كان معه على وسطه.
ونظر خالد إلى قيس بن هبيرة وليس في يده سيف فقال: من يأخذ هذا السيف ويدفعه إلى قيس ابتغاء ثواب الله تعالى. قال عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه: أنا يا أبا سليمان. فقال خالد: أنت والله لها يا ابن الصديق! ثم أخذ عبد الرحمن سيفه ولحق قيس بن هبيرة يريد أن يناوله السيف، فلما نظرت الروم إلى عبد الرحمن وقد لحق بقيس ظنوا أنه يريد أن يعاون قيسًا على صاحبهم فخرج عليه بطريق آخر وأقبل إلى صاحبه ووقف بإزائه، فدفع عبد الرحمن السيف إلى ابن هبيرة ووقف معه وجعل البطريق الآخر يتكلم بكلام لا يفهمه عبد الرحمن. فقال عبد الرحمن: يا ويلك ما الذي تقول فما نعرف كلامك؟! فخرج إليه ترجمان وقال له: يا معشر العرب ألستم ذكرتم أنكم أصحاب نصفة وحق؟ قال عبد الرحمن: بلى. فقال الترجمان: فما رأينا من نصفتكم شيئًا يخرج فارسان إلى فارس؟! قال عبد الرحمن: إنما خرجت لأعطي صاحبي هذا السيف وأرجع ولو خرج إلينا منكم مائة لواحد ما كبر علينا ولا عظم لدينا! وها أنتم ثلاثة وأنا واحد وأنا لكم كفء! فأخبر الترجمان صاحبه بذلك فجعل ينظر إليه شزرًا، فقال عبد الرحمن: يا قيس قد تعبت فقف وتفرج عليَّ وانظر ما يكون مني ومنهم. ثم حمل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - على الذي كان يخاطبه فطعنه في نحره فأخرج السنان يلمع من ظهره فوقع مجندلًا ونظر العلجان إلى صاحبهما مجندلًا فحملا على عبد الرحمن وقصداه فأراد قيس بن هبيرة أن يعاونه عليهما فقال له عبد الرحمن: سألتك برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبحق أبي بكر إلا تركت عبد الرحمن يصطلي بهما فإن قتلت فأنت شريكي في الثواب وأقرئ عائشة مني السلام وقل لها أخوك قد لحق ببعلك وأبيك، فتأخر قيس عنه وقد عجب من فعاله! فحمل عبد الرحمن على أحد العلجين وهو الأول فطعنه برمحه فاشتبك السنان في درعه فرمى عبد الرحمن الرمح من يده وانتضى سيفه. وقام في الركاب وضرب العلج بسيفه ضربة طرحه بها نصفين. ونظر العلج الثالث إلى عبد الرحمن وجراءته فبقي حائرًا متعجبًا من حاله ونظر إلى البطريق وهو متحير باهت فبانت له فيه غفلة. فقال: ما يوقفك يا قيس؟! وحمل على البطريق وضربه ضربة هشم بها هامته فسقط إلى الأرض صريعًا، فلما نظرت الروم إلى أصحابهم قال بعضهم لبعض: ما هؤلاء العرب إلا شياطين.