فهرس الكتاب
عبيدة، وقال: أيها الأمير إن أبي قد قتل وأريد أن آخذ بثأره أو أقتل فادفع رايتك لمن شئت من دوس فأخذ أبو عبيدة الراية ودفعها لرجل من دوس فحملها وخرج جندب إلى قتال جبلة بن الأيهم، وهو ينشد ويقول:
سأبذل مهجتي أبدًا لأني ... أريد العفو من رب كريم
وأضرب في العدا جهدي بسيفي ... وأقتل كل جبار لئيم
فإن الخلد في الجنات حق ... تباح لكل مقام سليم
ودنا من جبلة، وقال له: اثبت يا قاتل أبي لأقتلك به! فقال جبلة: ومن أنت من المقتول، قال: ولده. قال جبلة: ما الذي حملكم على قتل نفوسكم وأولادكم وقتل النفوس محرم؟ قال جندب: إن قتل النفس في سبيل الله محمود عند الله وننال به الدرجة العالية، فقال له جبلة: إني لا أريد قتلك، فقال جندب: وكيف أرجع وأنا المفجوع بأبي والله لا رجعت أو آخذ بثأر أبي أو ألحق به ثم حمل على جبلة وجعلا يقتتلان وقد شخصت نحوهما الأبصار، ونظر جبلة إلى الغلام وما أبدى من شجاعة فعلم أنه شديد البأس صعب المراس فأخذ منه حذره وغسان ترمق صاحبها فرأت الغلام جندبًا وقد ظهر على صاحبهم وقارنه في الحرب، فصاح بعضهم على بعض وقالوا: إن هذا الغلام الذي برز إلى سيدكم غلام نجيب وإن تركتموه ظهر عليه فانجدوه ولا تدعوه فتأهبت غسان للحملة ليستنقذوه ونظر المسلمون إلى جندب وما قد ظهر منه ومن شجاعته وشدته ففرحوا بذلك ونظر الأمير أبو عبيدة إلى ذلك وما فعل. فبكى وقال: هكذا يكون من يبذل مهجته في سبيل الله اللهم تقبل منه فعله.
قال جابر بن عبد الله: شهدت قتال اليرموك فما رأيت غلامًا كان أنجب من جندب بن عامر بن الطفيل حين قاتله جبلة وبعد ذلك حمل على جبلة وضربه ضربة أوهنه بها وضربه جبلة فقتله وعجل الله بروحه إلى الجنة وتحقق منام أبيه عامر بن الطفيل، وجال جبلة على مصرعه وطلب البراز فصاح به قومه ارجع إلينا فقل قضيت ما يجب عليك فرجع وهو معجب بنفسه حتى وقف تحت صليبه. وبعث إليه ماهان يشكره. وأصيب المسلمون بعامر بن الطفيل - رضي الله عنه - وولده جندب؛ فعندها صاحت دوس: الجنة الجنة خذوا بثأر سيدكم عامر وساعدتها الأزد وكانوا أحلافهم وحملوا على غسان ولخم وجذام وتناشدوا الأشعار فصاح أبو عبيدة بالمسلمين، وقال: أيها الناس"وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ"