فهرس الكتاب
وأما المسلمون فما كانت همتهم إلا الصلاة وبعد ذلك شدوا الجراح، وصلى أبو عبيدة - رضي الله عنه - وقال: أيها الناس إذا عظم البلاء فانتظروا الفرج فإنه يأتي من عند الله فأضرموا نيرانكم وتحارسوا وأظهروا التهليل والتكبير، وقام أبو عبيدة يمشي في الناس هو وخالد بن الوليد يتفقدان الجرحى ويقولان: أيها الناس إن عدوكم يألم كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وباتا طول ليلهم كله وهما طائفان على المسلمين إلى أن أصبح الصباح. وانحازت الروم إلى جانب اليرموك مع ماهان الأرمني فجمع بطارقته ووبخهم وزجرهم. وقال لهم: قد علمت أنَّ هذا يكون منكم، وقد رأيت فشلكم وخوفكم وجزعكم من هؤلاء العرب الضعاف! فاعتذروا إليه وقالوا غدًا نبارزهم فإن فينا فرسانًا وشجعانًا لم يقاتلوا أصلًا وغدًا نصدقهم الحرب فتكون لنا العاقبة. فسكت عن توبيخهم وأمرهم أن يتأهبوا لذلك وبات الفريقان يتحارسون، وقد رعبت الروم من كثرة القتل فيهم، وأما المسلمون فإنهم أقوى قلوبًا لشدة دينهم ويقينهم.
فلما أصبح الصباح صلى بهم أبو عبيدة صلاة الخوف وإذا بالصلبان قد بدت وبرايات القوم قد طلعت في عدد الشوك والشجر كأنهم لم يلاقوا قتالًا قط فوقفوا في مصافهم ونصب ماهان سريره على الكثيب الذي كان عليه بالأمس وهو يشرف منه على العساكر فأمرهم أن يعبوا مصافهم، فلما نظر أمير المؤمنين إلى سرعة الروم صاح كل أمير برجاله وحرضهم على القتال فانقلبوا من الصلاة إلى خيولهم ولبسوا السلاح وركبوا خيولهم ورجع كل أمير إلى مكانه وهو يعظ أصحابه ويوصيهم ويعدهم من الله بالنصر.
وسار أبو عبيدة بين الصفوف وهو يصف لهم فضل الجهاد وما أعد الله للمجاهدين الصابرين وخلف على الذراري والنساء والأموال والأولاد عمرو بن سعيد بن عبد الله وجعل من الرماة خمسمائة في الميمنة وخمسمائة في الميسرة وخمسمائة في القلب وطاف أبو عبيدة عليهم، وقال لهم: معاشر الرماة الزموا مراكزكم فإن رأيتم القوم زحفوا إلينا فارشقوهم بالنبال واذكروهم عند رميكم ولا تتركوها مفرقة ولتخرج سهامكم كأنها من كبد قوس واحد، فإن هم زحفوا إليكم فاثبتوا مكانكم حتى يأتيكم أمري ففعلوا ما أمرهم به الأمير.
وتقدم أبو سفيان إلى ولده يزيد والراية في يده وحوله أصحابه وقد عزم على الحملة والجهاد. فقال: يا بني إن أحسنت أحسن الله إليك عليك بتقوى الله والصبر فاتق الله حق تقاته وانصر دين الله وشرع نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وإياك والجزع فما قضاه ربنا قد أمضاه فاصبر مع أصحابك صبر أولي العزم، وإياك ثم إياك أن يراك الله منهزمًا فتبوء بغضب من الله. قال يزيد: سأصبر