فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 611

الجعيد بضيافة الروم وأكرمهم وأطعمهم وسقاهم الخمر، فلما فرغوا من أمورهم قالوا: هات امرأتك إلينا فأبى ذلك وسبهم فأبوا إلا أخذ العروس، فلما شنَّع عليهم بذلك عمدوا إلى العروس وأخذوها كرهًا منه وعبثوا بها بقية ليلتهم. فبكى أبو الجعيد من حزنه ودعا عليهم فقتلوا أولاده، وكان له ولد من زوجة غيرها! فأقبلت أم الفتى فأخذت رأس ولدها في خمارها وأقبلت به إلى مقدم ذلك الجيش ورمت الرأس إليه وشكت حالها، وقالت له: انظر ما صنع أصحابك بولدي فخذ بحقي! فلم يعبأ بكلامها. فقالت له أم الفتى: والله لتنصرن العرب عليكم ورجعت وهي تدعو عليه! فما كان إلا يسير حتى هلكوا في أيدي المسلمين.

فلما كان يوم اليرموك بعدما قتل النسطور أتى أبو الجعيد إلى عساكر المسلمين، وقال لخالد: اعلم أن هذا الجيش النازل بازائكم جيش عظيم ولو سلموا أنفسهم إليكم للقتل لما فرغتم من قتلهم إلا في المدة الطويلة فإن كدتهم لكم في هذه الليلة مكيدة تظفرون بها عليهم ماذا تعطوني. قالوا: نعطيك كذا وكذا ولا تؤدي جزية أنت وولدك وأهل بيتك ونكتب لك بذلك عهدًا إلى آخر عقبك. فلما استوثق منهم لنفسه مضى إلى الروم وهم لا يعلمون وأتى إلى واد عظيم مملوء ماء فأنزل الروم إلى جانبه، وقال لهم: إن هذا المنزل به العرب وأنا سأكيد لكم العرب بمكيدة يهلكون بها. قال وجعل الناقوصة فيما بين الروم والعرب ولم يعلم أحد من الروم ما عمقها. قال فلما كان يوم التعوير وعلم أبو الجعيد أن النصر للعرب وأن العرب هم المنصورون، جاء أبو الجعيد إلى أبو عبيدة فوجده يطوف تلك الليلة هو وجماعة من المسلمين المهاجرين. فقال لهم: ما قعودكم؟ قالوا: وما نصنع؟ قال: إذا كان ليلة غد فأكثروا من النيران. ثم رجع إلى الروم لينصب عليهم حيلة.

فلما كانت الليلة الثانية أوقد المسلمون أكثر من عشرة آلاف نار، فلما اشتعلت النيران أقبل إليهم أبو الجعيد، فقالوا: قد أشعلنا النيران كما أردت فما بعد ذلك؟ قال: أريد منكم خمسمائة رجل من أبطالكم حتى أشير عليهم بما يصنعون. فاختار من المسلمين خمسمائة رجل من جملتهم ضرار بن الأزور وعياض ورافع وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وغانم بن عبد الله ومثل هؤلاء السادات، فلما اجتمعوا سار بهم أبو الجعيد على غير المخاضة وقصد بهم عسكر الروم، فلما كادوا يخالطونهم أخذ أبو الجعيد منهم رجالأ ودلهم على المخاضة ولم يكن يعلم بها أحد سواه ممن سكن اليرموك وقال لهم: ناوشوهم الحرب، ثم انهزموا ودعوني وإياهم! ففعلوا ذلك وصاحوا فيهم وحملوا ثم انهزموا قدامهم نحو المخاضة، فعند ذلك صاح أبو الجعيد برفيع صوته: يا معاشر الروم دونكم ومن انهزم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت