فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 611

فهؤلاء المسلمون، قد أوقدوا نيرانهم وعوَّلوا على الحرب. فأقبلت الروم على حال عجلة يظنون أن ذلك حق، فبعضهم ركب جواده عريانًا وبعضهم راجل وساروا في طلب المنهزمين وأبو الجعيد يعدو بين أيديهم إلى أن أوقفهم على الناقوصة وقال لهم: هذه المخاضة دونكم وإياهم فأقبلوا يتساقطون في الماء كتساقط الجراد حتى هلك في الماء ما لا يعد ولا يحصى عددًا ولا يدركه جنان فسمتها العرب"الناقوصة"لنقص الروم.

قال الواقدي: هذا ما جرى للروم، ولا يعلم الأول بما جرى للآخر حتى أصبحوا، فنظروا المسلمين في أماكنهم فعلموا أنهم قد دهموا في الليل وقل عددهم وتبدد شملهم فقال بعضهم لبعض: من كان الصائح في ليلتنا. قال الرجل الذي عبثتم بزوجته وقتلتم ولده وقد أخذ بثأره منكم! فلما أصبح ماهان وعلم الحقيقة وعلم ما نزل بأصحابه علم أنه هالك لا محالة وأن العرب ظافرون عليه، فبعث إلى قورين، فقال: ما ترى أن أصنع وقد ظهرت العرب علينا وإن حملوا علينا حملة لم ينفلت منَّا أحد؟! فهل لك أن تسألهم أن يؤخروا القتال حتى نحتال لخلاص أنفسنا؟ قال قورين: أفعل ذلك. فدعا ماهان برجل من لخم وبعثه إلى المسلمين يقول لهم: اعلموا أن الحرب سجال والدنيا زوال وقد مكرتم بنا فلا تبغوا فالبغي له مصرع وأخروا الحرب عنا يومنا هذا، فإذا كان غد يكون الانفصال بيننا وبينكم. فأقبل اللخمي إلى أبي عبيدة وبلغه الرسالة فهمَّ أبو عبيدة أن يجيبهم إلى ذلك فمنعه خالد وقال له: لا تفعل أيها الأمير فما عند القوم خير بعد ذلك. فقال أبو عبيدة: ارجع إلى صاحبك وقل له لا نؤخر عنك القتال وإنَّا على عجل من أمرنا! فرجع الرسول إلى ماهان فأعلمه بجواب أبي عبيدة فعظم عليه وكبر لديه وكفر وتجبر وقال: لقد كنت أتربص بنفسي عن العرب أرجو بذلك الصلح فوحق الصليب لا يبرز لهم غيري! ثم صرخ بالروم وأصحاب سرير الملك، ومن كان يتكل عليه في الشدائد وأمرهم أن يأخذوا الأهبة فاستعدوا، وخرج ماهان في مقدمة الجيش والصليب أمامه وإذا بالمسلمين أخذوا مصافهم للقتل.

وذلك أن أبا عبيدة صلى بالمسلمين صلاة الفجر وأمرهم بالسرعة للقتال وأخذوا مواضعهم للحرب ففعلوا وقد أيقنوا أنهم منصورون على عدوهم. وصف أبو عبيدة أصحاب الرايات ووقف هو وخالد في الخيل المعروفة بخيل الزحف وطلعت الشمس وخرج جرجير هو وبعض ملوك الروم ودعا بالبراز وقال: لا يبرز لي إلا أمير العرب! فسمعه أبو عبيدة فسلم الراية إلى خالد، وقال: أنت للراية يا أبا سليمان فإن عدت من قتاله فالراية لي وإن هو قتلني فأمسك رايتك حتى يرى عمر رأيه. فقال خالد: أنا لقتاله دونك! فقال أبو عبيدة: لا .. هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت