فهرس الكتاب
طلبني ولابد لي من الخروج إليه وأنت شريكي في الأجر! فخرج أبو عبيدة وما أحد من المسلمين إلا وهو كاره لذلك فأقبلوا يسألونه فأبى إلا الخروج فتركوه ورأيه، فلما قرب أبو عبيدة من جرجير وعاينه قال له: أنت أمير هذا الجيش؟ فقال أبو عبيدة: أنا ذلك وقد أجبتك إلى ما طلبت من أمر البراز فدونك وعرض الميدان، فإما هزمتك أو قتلتك وأقتل ماهان بعدك. فقال جرجير: أمة الصليب تغلبكم!
وحمل جرجير على أبي عبيدة وحمل أبو عبيدة على جرجير وطال بينهما القتال. وبقي خالد ينظر إلى أبي عبيدة ويدعو له بالسلامة والنصر وجميع المسلمين يدعون له. وفرَّ جرجير أمام أبي عبيدة وأخذ في عرض الجيش وطلب في فراره جيش المشركين في الميمنة، وتبعه أبو عبيدة على أثره. فعندها عطف عليه جرجير وخرج كأنه البرق والتقيا بضربتين فكان أبو عبيدة أسبق فوقعت الضربة على عاتق جرجير فخرجت من علائقه! فكبَّر عند ذلك أبو عبيدة وكبَّر المسلمون! ووقف أبو عبيدة على مصرع جرجير وجعل يتعجب من عظم جثته ولم يأخذ من سلبه شيئًا! فنادى به خالد: لله درك أيها الأمير ارجع إلى رايتك فقد قضيت ما يجب عليك فلم يرجع أبو عبيدة فأقسم عليه المسلمون أن يرجع فرجع وأخذ الراية من يد خالد ونظر ماهان إلى جرجير فعظم ذلك عليه وكبر لديه لأنه كان ركنًا من أركانهم فهم بالهزيمة، ثم قال في نفسه: ماذا يكون عذري عند هرقل ولابد أن أبرز إلى الحرب، فإن قتلت فقد استرحت من العار وإن سلمت كان لي عند الملك عذر أحسن من أن أولي الأدبار! ثم إنه أعلم رجاله أنه يريد المبارزة بنفسه وأخذ عدَّته ولبس زينته وخرج كأنه جبل ذهب يلمع ثم جمع إليه البطارقة والقسوس والرهبان، وقال لهم: إن الملك هرقل كان أعلم منكم بهذا الأمر وأنه أراد الصلح فخالفتموه فها أنا أبرز إليهم بنفسي! فتقدم إليه بطريق من بطارقة السرير وكان فيه نسك ودين وكان يعظم الكنائس والرهبان ويتبع ما فرض عليه في الإنجيل وكان يقرب من جرجير في النسب، فلما علم بقتله عظم عليه وقال: وحق الصليب لأبرزن إلى المسلمين وآخذ بالثأر، فإما أن ألحق به وإما أن أقتل قاتله ... ثم قال لماهان: قد تعين عليَّ الجهاد وأنا أؤدي فرض المسيح ولابد لي من المبارزة!
فتركه ماهان فخرج وكان اسمه"جرجيس"وكان عليه درع، وعلى الدرع ثوب حديد متقلد بسيفه ومعه قنطارية وعوَّذته القسوس وبخروه ببخور الكنائس وأقبل إليه راهب عمورية وأعطاه صليبًا كان في عنقه وقال: هذا الصليب من أيام المسيح يتوارثه الرهبان ويتمسحون به فهو ينصرك! فأخذه جرجيس ونادى: البراز بكلام عربي فصيح حتى ظنَّ الناس أنه عربي من