فهرس الكتاب
المتنصرة، فخرج إليه ضرار بن الأزور كأنه شعلة نار، فلما قاربه ونظر إليه وإلى عظم جثته ندم على خروجه بالعدة التي أثقلته فقال في نفسه: وما عسى يغني هذا اللباس إذا حضر الأجل ثم رجع موليًا فظن الناس أنه ولى فزعًا.
فقال قائل منهم: إن ضرارًا قد انهزم من العلج وما ضبط عنه قط أنه انهزم وهو لا يكلم أحدًا حتى صار إلى خيمته ونزع ثيابه وبقي بالسراويل وأخذ قوسه وتقلد بسيفه وحجفته وعاد إلى الميدان كأنه الظبية الخمصاء فوجد مالكًا النخعي قد سبقه إلى البطريق وكان مالك من الخُطَّاط إذا ركب الجواد تسحب رجلاه على الأرض فنظر ضرار فإذا بمالك ينادي العلج تقدم يا عدو الله يا عابد الصليب إلى الرجل النجيب ناصر محمد الحبيب، فلم يجبه العلج لما داخله من الخوف منه! فجال عليه وهمَّ أن يطعنه فلم يجد للطعنة مكانًا لما عليه من الحديد فقصد جواده وطعنه في خاصرته فأطلع السنان يلمع من الجانب الآخر فنفر الجواد من حرارة الطعنة وهمَّ مالك أن يخرج الرمح فلم يقدر لأنه قد اشتبك في ضلوع الجواد، وهو على ظهره لم يقدر أن يتحرك لأنه مزرر في ظهر الجواد بزنانير إلى سرجه، فنظر المسلمون إلى ضرار وقد أسرع إليه مثل الظبية حتى وصل إليه وضربه بسيفه على هامته فشطرها نصفين وأخذ سلبه فأتاه مالك وقال: ما هذا يا ضرار تشاركني في صيدي!! فقال: ما أنا بشريكك، وإنما أنا صاحب السلب وهو لي. فقال مالك: أنا قتلت جواده. فقال ضرار:"رب ساع لقاعد آكل غير حامل"فتبسم مالك، وقال: خذ صيدك هنَّاك الله به. قال ضرار: إنما أنا مازح في كلامي خذه إليك فوالله ما آخذ منه شيئًا وهو لك وأنت أحق به مني! ثم انتزع سلب العلج وحمله على عاتقه وما كاد أن يمشي به وهو يتصبب عرقًا. قال زهير بن عابد: ولقد رأيته وهو يسير به وهو راجل ومالك فارس حتى طرحه في رحل مالك. فقال أبو عبيدة: بأبي وأمي والله قوم وهبوا أنفسهم لله وما يريدون الدنيا!
فلما قتل البطريق قُصَّ جناح ماهان فصاح بقومه وجمعهم إليه وقال لهم: اسمعوا يا أصحاب الملك وبلِّغوه عنِّي أنِّي ما تركت جهدي في نصرة هذا الدين وحاميت عن الملك وقاتلت عن نعمته وما أقدر أن أغالب رب السماء، لأنه قد نصر العرب علينا وملكهم بلدنا والآن ما لي وجه أرجع به إلى الملك حتى أخرج إلى الحرب وأبرز إلى مقام الطعن والضرب وعزمت أن أسلم الصليب إلى أحدكم وأبرز إلى قتال المسلمين، فإن قتلت فقد استرحت من العار ومن توبيخ الملك لي، وإن رزقت النصر وأثرت في المسلمين أثرًا ورجعت سالمًا علم الملك أني لم أقصر عن نصرته! فقالوا: أيها الملك لا تخرج إلى الحرب حتى نخرج نحن إلى القتال