فهرس الكتاب
قبلك فإذا قتلنا فافعل بعدنا ما شئت. فحلف ماهان بالكنائس الأربع لا يبرز أحد قبله، فلما حلف أمسكوا عنه وعن مراجعته، ثم إنه دعا بابن له فدفع إليه الصليب وقال: قف مكاني! وقدَّم لماهان عدة فأفرغت عليه.
قال الواقدي: بلغنا أنَّ عدته التي خرج بها إلى الحرب تقوَّمت بستين ألف دينار لأن جميعها كان مرصعًا بالجوهر! فلما عزم على الخروج تقدم له راهب من الرهبان، فقال: أيها الملك ما أرى لك إلى البراز سبيلًا ولا أحبه لك. قال: ولم ذلك؟ قال: لأني رأيت لك رؤيا فارجع ودع غيرك يبرز. فقال ماهان: لست أفعل والقتل أحب إليَّ من العار! فبخَّروه وودعوه وخرج ماهان إلى القتال وهو كأنه جبل ذهب يبرق وأقبل حتى وقف بين الصفين ودعا إلى البراز وخوَّف باسمه فكان أول من عرفه خالد بن الوليد فقال: هذا ماهان! هذا صاحب القوم قد خرج، ووالله ما عندهم شيء من الخير. وماهان يرعب باسمه فخرج إليه غلام من الأوس وقال: والله أنا مشتاق إلى الجنة وحمل ماهان وبيده عمود من ذهب كان تحت فخذه فضرب به الغلام فقتله. قال أبو هريرة - رضي الله عنه: فنظرت إلى الغلام عندما سقط وهو يشير بإصبعه نحو السماء ولم يهله ما لحقه فعلمت أن ذلك لفرحه بما عاين من الحور العين.
فجال ماهان على مصرعه وقوي قلبه ودعا إلى البراز فسارع المسلمون إليه فكل يقول:"اللهم اجعل قتله على يدي"، وكان أول من برز مالك النخعي - رضي الله عنه - وساواه في الميدان فابتدر مالك ماهان بالكلام وقال له: أيها العلج الأغلف لا تغتر بمن قتلته، وإنما اشتاق صاحبنا إلى لقاء ربه وما منا إلا من هو مشتاق إلى الجنة، فإن أردت مجاورتنا في جنات النعيم فانطق بكلمة الشهادة أو أداء الجزية وإلا فأنت هالك لا محالة. فقال له ماهان: أنت صاحبي خالد بن الوليد؟ قال: لا أنا مالك النخعي صاحب رسول الله! - صلى الله عليه وسلم - فقال ماهان: لابد لي من الحرب ثم حمل على مالك وكان من أهل الشجاعة فاجتهدا في القتال فأخرج ماهان عموده وضرب به مالكًا على البيضة التي على رأسه فغاصت في جبهة مالك فشترت عينيه فمن ذلك اليوم سمي ب"الأشتر"فلما رأى مالك ما نزل به من ضربة ماهان عزم على الرجوع ثم فكر فيما عزم عليه فدبر نفسه، وعلم أن الله ناصره والدم فائر من جبهته وعدو الله يظنُّ أنه قتل مالكًا وهو ينظره متى يقع عن ظهر فرسه وإذا بمالك قد حمل وأخذته أصوات المسلمين:"يا مالك استعن بالله يعينك على قرينك"قال مالك: فاستعنت بالله عليه وصليت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضربته ضربة عظيمة فقطع سيفي فيه قطعًا غير موهن فعلمت أن الأجل حصين، فلما أحس ماهان بالضربة ولَّى ودخل في عسكره.