فهرس الكتاب
ادن منِّي فدنا منه فخفق رأسه بالدرة خفقتين، وقال له: أتتشاءم بالإسلام يا عدو الله وعدو نفسه، وهو الدين الذي ارتضاه الله لملائكته ورسله وخيرته من خلقه؟! خلِّ يا ويلك سبيل إحداهما وإلا جلدتك جلدة المفتري. فقال الرجل: كيف أصنع بهما وإني أحبهما، ولكن أقرع بينهما فمن خرجت القرعة عليها كنت لها وهي لي، وإن كنت لهما جميعًا محبًا فأمر عمر فاقترع فوقعت القرعة على إحداهما فأمسكها وأطلق سبيل الثانية، ثم أقبل عليه عمر، وقال له: اسمع يا ذا الرجل وَعِ ما أقول لك: إنه من دخل في ديننا ثم رجع عنه قتلناه! فإياك أن تفارق الإسلام وإياك يبلغني أنك قد أصبت أخت امرأتك التي فارقتها فإنك إن فعلت ذلك رجمتك!
قال الواقدي: وسار عمر حتى مر على حي من بني مُرَّة فإذا بقوم منهم قد أقاموا في الشمس يعذبون فقال لهم عمر: ما بال هؤلاء يعذَّبون؟ فقيل: عليهم خراج فهم يعذبون. قال: فما يقولون؟ قال: يقولون: ما نجد ما نؤدي، فقال عمر: دعوهم ولا تكلفوهم ما لا يطيقون فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لا تعذبوا الناس في الدنيا يعذبكم الله يوم القيامة"فخلى سبيلهم. ثم سار حتى إذا كان بوادي القرى أخبروه أن شيخًا على الماء وله صديق يوده، فقال له صديقه هل لك أن تجعل لي في زوجتك نصيبًا أكفيك رعي إبلك والقيام عليها ولي فيها يوم وليلة ولك فيها يوم وليلة. قال له الشيخ: قد فعلت ذلك ورضي. فلما أخبر عمر بذلك أمر بهما فأحضرا. فقال: ويلكما ما دينكما. قالا: الإسلام. قال عمر: فما الذي بلغني عنكما قالا: وما هو. فأخبرهما عمر بما سمعه من العرب، فقال الشيخ: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين. فقال عمر: أما علمتما أن ذلك حرام في دين الإسلام. قالا: لا والله ما علمنا ذلك. فقال عمر للشيخ: وما دعاك أن صنعت هذا القبيح. قال: أنا شيخ كبير ولم يكن لي أحد أثق به ولا أتكل عليه فقلت: يا هذا أتكفيني الرعي والسقي وتعينني على دوابي وأنا أجعل لك نصيبًا في امرأتي والآن علمت أنه حرام فلا أفعله فقال عمر: خذ بيد امرأتك فلا سبيل لي عليها، ثم قال للشاب: إياك أن تقرب منها فإنه إن بلغني ذلك ضربت عنقك!
ثم ارتحل عمر يريد بيت المقدس حتى دنا من أول الشام وأشرف عليه. قال أسلم بن برقان مولى عمر، فلما أشرفنا على الشام وأشرف عليه المسلمون نظرنا إلى طائفة من خيل المسلمين. فقال عمر للزبير: أسرع وانظر ما هذه الخيل فأسرع الزبير إليها، فلما قرب منها وإذا هي خيل من اليمن قد بعث بها أبو عبيدة يأخذون له خبر عمر - رضي الله عنه -، قال الزبير: فسلموا عليَّ وقالوا: يا فتى من أين أقبلت؟ فقلت: من مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: كيف خلفت أهلها.