فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 611

أيها الناس إنه قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كقيامي فيكم وقال: الزموا أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يظهر الكذب حتى يشهد من لم يستشهد ويحلف من لم يحلف فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، وتعوذوا من الشيطان، ولا يخلون أحد منكم بامرأة فإنهن من حبائل الشيطان، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن، والصلاة الصلاة، فلما فرغ من خطبته جلس فجعل أبو عبيدة يحدثه بما لقي من الروم وعمر باهت، فتارة يبكي وتارة يهدأ فلم يزل كذلك إلى أن حضرت صلاة الظهر.

فقال الناس: يا أمير المؤمنين اسأل بلالًا أن يؤذن لنا، وكان بلال مقيمًا ببلد، فلما بلغه أن عمر قد وصل سار مع أبي عبيدة حتى سلم على عمر فعظم قدره، فلما حضرت صلاة الظهر وسأل المسلمون عمر أن يسأل بلالًا. فقال له: يا بلال إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألون أن تؤذن لهم وتذكرهم أوقات نبيهم - صلى الله عليه وسلم - فقال بلال: نعم فلما قال: الله كبر خشعت جلودهم واقشعرت أبدانهم، فلما قال: أشهد ألا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله بكى الناس بكاء شديدًا حتى كادت قلوبهم أن تتصدع عند ذكر الله ورسوله.

فلما فرغ بلال من أذانه وجلس قال بلال: يا أمير المؤمنين إن أمراء المسلمين وأجناد الشام يأكلون لحوم الطيور والخبز النقي وما لا يلحق ضعفاء الناس وما لا تناله أيديهم وإن الكل يفنى ومآله إلى التراب ومصيرنا إليه. فقال له يزيد بن أبي سفيان: إن سعر بلادنا هذه رخيص وإنا لنصيب ما قاله بلال هاهنا مثل ما كنا نقوت به أنفسنا مدة من الزمان في الحجاز. فقال عمر: إن الأمر كما ذكرت فكلوا هنيئًا مريئًا، ولست أبرح من مكاني حتى تجمعوا إليَّ من في المنازل وأن تكتبوا إلى فقراء المسلمين ممن في المدن والقرى فأفرض لكل أهل بيت ما يجزيهم من البر والشعير والعسل والزيت وما يحتاجون إليه ولابد لهم منه، ثم قال عمر: هذا لكم من أمرائكم غير ما يأتيكم مني من بيت مال المسلمين، فإن قطعت عنكم أمراؤكم فآمروني حتى أعزلهم عنكم؛ ثم أمرهم بالرحيل، فلما همَّ بالركوب على بعيره وعليه مرقعة من صوف وفيها أربع عشرة رقعة بعضها من أدم. فقال له المسلمون: يا أمير المؤمنين لو ركبت بدل بعيرك جوادًا ولبست ثيابًا بيضًا؛ ففعل. قال الزبير: أحسب أنها كانت من ثياب مصر تساوي خمسة عشر درهمًا وطرح على عاتقه منديلًا من كتان ليس جديدًا ولا بالخلق دفعه إليه أبو عبيدة وقدم إليه برذون أشهب من براذين الروم.

فلما صار عمر على ظهره جعل البرذون يهملج به، فلما نظر عمر إلى البرذون وفعاله نزل عنه مسرعًا وقال: أقيلوا عثرتي أقال الله عثرتكم يوم القيامة، فقد كاد أميركم أن يهلك بما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت