فهرس الكتاب
دخل قلبي من العجب والكبر وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من الكبر"ولقد كاد أن يهلكني ثوبكم الأبيض وبروذنكم المهملج، ثم إنَّ عمرًا - رضي الله عنه - نزع ما كان عليه ثم عاد إلى لبس مرقعته.
وسار عمر يريد العقبة ليصعد منها إلى بيت المقدس فلقيه قوم من المسلمين وعليهم ثياب الديباج مما أخذوه من اليرموك فأمر عمر أن يحثوا التراب في وجوههم، وأن تمزق عليهم، ولم يزل على ذلك حتى أشرف على بيت المقدس، فلما نظر إليها قال: الله أكبر، اللهم افتح لنا فتحًا يسيرًا، واجعل لنا من لدنك سلطانًا نصيرًا، ثم سار واستقبلته العشائر والقبائل وأصحاب العقود. وسار عمر حتى نزل بالموضع الذي كان فيه أبو عبيدة وضربت له خيمة من شعر وجلس فيها هناك على التراب، ثم قام يصلي أربع ركعات.
قال الواقدي: وعَلَت للمسلمين ضجة عظيمة وصياح مزعج بالتهليل والتكبير، فسمع أهل بيت المقدس الضجة والجلبة، فقال لهم البترك: يا ويلكم ما شأن العرب قد ارتفعت لهم جلبة من غير شيء فاشرفوا عليهم وانظروا ما شأنهم. فأشرف عليهم رجل ممن يعرف العربية، فقال: يا معاشر العرب أخبرونا ما قصتكم؟ قالوا: إن أمير المؤمنين عمر قد قدم علينا من مدينة نبينا - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الضجة من فرح المسلمين به. فرجع وأعلم البترك فأطرق إلى الأرض ولم يتكلم.
فلما كان الغد وصلى عمر بالناس صلاة الفجر قال لأبي عبيدة: يا عامر تقدم إلى القوم وأعلمهم أني قد أتيت. فخرج أبو عبيدة وصاح بهم وقال: يا أهل هذه البلدة إن صاحبنا أمير المؤمنين قد ورد فما تصنعون فيما قلتم؟ فأعلموا البترك فخرج من كنيسته وعليه المسوح وترجل الرهبان والقسوس والأساقفة معه، وقد حمل بين يديه صليب لا يخرجونه إلا في عيدهم وسار معه الباطليق الوالي عليهم وهو يقول للبترك: يا أبانا إن كنت تعرفه معرفة حقيقية وإلا فلا تفتح له ودعنا وهؤلاء العرب فإما أن نبيدهم، وإما أن يبيدونا! قال البترك: أنا أفعل ذلك، ثم صعدا على السور ووقف الباطليق إلى جانبه والصليب أمامهم وأشرف على أبي عبيدة وقال: ما تشاء أيها الشيخ الباهي. قال أبو عبيدة: هذا أمير المؤمنين عمر وليس عليه أمير قد أتى فاخرجوا إليه واعقدوا معه الأمان والذمة وأداء الجزية.
فقال البترك: يا ذا الرجل إن كان صاحبك الذي ليس عليه أمير قد أتى فدعه يدن منَّا فإنَّا نعرفه بنعته وصفته، وأفردوه من بينكم، وليقف بإزائنا حتى نراه. فإن كان صاحبنا الذي نعته في الإنجيل نزلنا إليه وعقدنا معه الأمان وأقررنا له بالجزية، وإن كان غير الذي نجد نعته في