فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 611

الإنجيل وصفته فما لكم عندنا غير القتال! فرجع أبو عبيدة إلى عمر - رضي الله عنه - وأخبره بما قاله البترك فهمَّ عمر بالقيام. فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين تخرج إليهم منفردًا، وليس عليك آلة حرب غير هذه المرقعة وإنا نخشى عليك منهم غدرًا أو مكرًا فينالون منك. فقال عمر:"قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ"، ثم أمر ببعيره فقدم إليه فاستوى في ركوبه عليه، وعليه مرقعة ليس عليه غيرها وعلى رأسه قطعة عباءة قطوانية وقد عصب بها رأسه وليس معه غير أبي عبيدة - رضي الله عنه - وهو سائر بين يديه حتى قرب من السور ووقف بإزاء السور والبترك والباطليق عليه، فتكلم أبو عبيدة وقال: يا هؤلاء هذا أمير المؤمنين قد أتى فمسح البترك عينه ونظر إليه وزعق بأعلى صوته: هذا والله الذي نجد صفته ونعته في كتبنا ومن يكون فتح بلادنا على يديه بلا محالة! ثم إنه قال لأهل بيت المقدس: يا ويحكم انزلوا إليه واعقدوا معه الأمان والذمة، هذا والله صاحب محمد بن عبد الله.

فلما سمعت الروم كلام البترك نزلوا مسرعين وكانوا قد ضاقت أنفسهم من الحصار ففتحوا الباب وخرجوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه العهد والميثاق والذمة ويقرون له بالجزية، فلما نظر إليهم عمر على تلك الحالة تواضع لله وخرَّ ساجدًا على قتب بعيره ثم نزل إليهم وقال: ارجعوا إلى بلادكم ولكم الذمة والعهد إذ سألتمونا وأقررتم بالجزية. فرجع القوم إلى بلدهم ولم يغلقوا الأبواب ورجع عمر إلى عسكره فبات فيه ليلة، فلما كان الغد قام فدخل إليها وكان دخوله يوم الاثنين وأقام بها إلى يوم الجمعة وخط بها محرابًا من جهة الشرق وهو موضع مسجده فتقدم وصلى هو وأصحابه صلاة الجمعة فهمَّت الروم بغدرهم وكان أبو الجعيد الذي احتال على الروم باليرموك ببيت المقدس هو وأهله وماله فقالوا: ما ترى في غدر هؤلاء العرب إذا هم اشتغلوا بصلاتهم وليس معهم آلة حرب ولا ما يحترزون به من الضرب والقتل؟

فقال لهم أبو الجعيد: يا قوم لا تفعلوا ولا تغدروا بهم فإن فعلتم ذلك أخبرتهم بما تريدون أن تفعلوا بهم فقالوا: وما الذي نصنع فقال أبو الجعيد: أظهروا للعرب ما لكم من الزينة ومتاع الدنيا فإن متاع الدنيا وما فيها لا يصبر صاحبهما عنهما، فإن طلبوهما بغدر فشأنكم وما تريدون! فأقبل القوم على ما كانوا يقدرون عليه من المال والمتاع الحسن فأظهروه وصفُّوه في طريق المسلمين وشوارعهم، فجعل المسلمون ينظرون إلى ذلك في دخولهم وخروجهم وهم يعجبون منهم ولم يمل أحد منهم إليه ولم يلمسه وهم يقولون: الحمد لله الذي أورثنا ديار قوم مثل هذا، ولو ساوت الدنيا عند الله جناح بعوضة لما سقى كافرًا منها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت