فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 611

وما جرى له؟ فأخبروه بخبره وحديثه مع أخيه وأنه أسلم بعدما رفع يديه إلى السماء وما ندري ما قال غير أننا سمعنا طرف كلامه وهو يقول: اللهم إني أشهد ألا إله إلا أنت وأن عيسى عبدك ورسولك ومحمدًا عبدك ورسولك ختمت به الأنبياء وجعلته سيد المرسلين ولا دين أعلى من دينه فاصنع ما أنت صانع، فلما أسلم قتله. فلما سمع أبو عبيدة ذلك قال: في أي موضع قتله؟ ثم وثب وأخذ خالدًا معه وجماعة من المسلمين وأتوا إلى موضع قتله وهو رأس سوق الساعة فوجده ملقى على ظهره وكأنه البدر ليلة تمامه مشيرًا بإصبعه إلى السماء وقد مات وأصبعه قائمة فأخذه أبو عبيدة وكفنه وصلى عليه ودفنه في مقام إبراهيم. فلما واروه أتى إلى أبي عبيدة رجل من المسلمين، فقال: أصلح الله الأمير انظر إلى هؤلاء القوم فإن كانوا من حزبنا نصحوا ودلونا على عورات قومهم. فقال: لا والله ما يفعلون ذلك أبدًا! فعندها أقبل أبو عبيدة على المسلمين، وقال: أشيروا عليَّ رحمكم الله، فقال له ذلك الرجل وكان اسمه يونس بن عمرو الغساني وكان رجلًا بصيرًا بالشام وجباله ومدنه وجميع أرضه وعارفًا بطريق الشام: أصلح الله الأمير انظر إلى ما أعرفه من البلد وما عندي من الرأي. قال أبو عبيدة: تكلم يا أبا عمرو فأنت عندنا ناصح للمسلمين. فقال: إن الله قد فتح على يدك الشام وسهله وجبله وحزنه ووعره وقتل طاغية الكفر وحاميته، وأما بقايا عساكرهم فهي من وراء الدروب وهي جبال وعرة ومضايق والقوم قد رعبت قلوبهم مما أباد الله منهم، وليس لهم قلوب يقاتلون بها المسلمين فحاصر هذه القلعة وبث الخيل وشن الغارات في بقايا البلاد وشاطئ الفرات فما لهم زاد يقوم بهم.

فتبسَّم خالد من كلام الغساني، وقال: هذا والله هو الرأي وأنا أشير عليكم بمشورة أخرى: أن نزحف نحو القلعة فلعل الله أن يفتحها في وقتنا هذا فإني أخشى إن طال بنا المقام أن تعطف علينا جيوش الروم من جهة أخرى فيحولوا بينها وبيننا. قال أبو عبيدة: يا أبا سليمان لقد أشرت فأحسنت وقلت فصدقت! ثم أمر أبو عبيدة بالزحف إلى القلعة فترجلت الفرسان عن خيولهم واختلط العبيد والسادات وافتخرت القبائل وانبثت العشائر وتجاوبوا بالأشعار وتداعوا بالأنساب.

قال مسروق بن مالك: فوالله ما رأيت في قتال حصون الشام يومًا كان أعظم من ذلك اليوم لأننا كنا نشبه دوران الحرب كدوران الرحى تهشم ما دارت عليه وقد برزنا إليهم في أول حربهم، وتبادرت أبطال اليمن وسادات ربيعة ومضر يتلو بعضهم بعضًا وجعلوا يطلبون القلعة من حيث لا طريق عليها. فإذا دنوا منها أخذتهم الحجارة من كل جانب ورموهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت