فهرس الكتاب
بالمجانيق والغرازات، وكنت أنا وأصحابي أقرب الناس إلى الأرض ففزعنا راجعين على أعقابنا يدفع بعضنا بعضًا لا نظن أن ينجو منا أحد فوقعت الخذلة في المسلمين وقد شدخت منا الحجارة خلقًا كثيرًا، فقتلت بعضنا وبعضنا رمته فكان من جملة من قتل يوم حصار قلعة حلب بالحجارة عامر بن الأصلع الربعي، ومالك بن خزعل الربعي وحسان بن حنظلة ومروان بن عبد الله وسليمان بن فارغ العامري وعطاف بن سالم الكلابي وسراقة بن مسلم بن عوف العدوي ورجال من أهل اليمن من آل عامر ومن بني كلاب وغيرهم وسبعة من بني عبد الله.
فعندها نصب أبو عبيدة رايته خارج المدينة وجعل ينادي بالمسلمين فاجتمعوا إليه. فقال: أيها الناس إنكم قاتلتم اليوم على غرَّة فادفنوا الشهداء وشدوا كل من أصابه جرح فانتدب المسلمون إلى ذلك وفرح الروم بهزيمة المسلمين وما قد نزل بهم. فقال لهم يوقنَّا: إن العرب لا تدنوا من القلعة بعد هذا اليوم أبدًا، وإن حاصرونا فلأكيدنهم ولأهبطن إلى عسكرهم. ثم انتخب ألفين من خيار بطارقته وأبطاله، وقال لهم: انزلوا مسرعين وليحذر بعضكم بعضًا وميلوا على طرف عسكر المسلمين إذا خمدت نيرانهم واغتنموا غرتهم وأمر عليهم وزيره، فنزلوا ليلًا من القلعة وجعلوا يدورون حول العسكر إلى أن أتوا إلى مكان، وقد خمدت نيرانهم، وكان القوم بادية من أهل اليمن مثل مراد وبني كلاب وعبيدهم.
قال عبد الله بن صفوان البكي: كنا تلك الليلة غادين من عدونا آمنين لكثرتنا وقد غفل حرسنا، فلم نشعر إلا وجماعة الروم قد هجموا علينا وهم ينادون بلغتهم وقد أعلنوا التبهرج بزينتهم فلا نعلم ما يقولون ووضعوا السيف فينا فكان النجيب منا من استوى على جواده وطلب النجاة وهو لا يعلم من أين هي ولا كيف يخلص، وقد وقعت الجندلة في أبطال المسلمين وعساكرهم والقوم ينادون النفير النفير دهينا ورب الكعبة، وهم يسرعون إلى خيمة أبي عبيدة وينادون: أيها الأمير كبسنا يوقنَّا، فعندها ركب الأمير في بعض الرجال وجعل يدور حول العسكر فنظر صاحب الروم إلى العرب وقد لحقته، فصاح بأصحابه: من كان أخذ شيئًا فليتركه ويطلب نجاة نفسه. وأخذوا من رجالنا نحو خمسين رجلًا من أخلاط الناس وأكثرهم من ربيعة ومضر ومضوا يجمع بعضهم بعضًا ويطلبون القلعة! فلما نظر خالد إلى ذلك حمل في أصحابه واقتطع من الروم زهاء من مائة رجل ووضع فيهم السيف فقتلهم عن آخرهم فلما وصل أصحاب يوقنَّا إلى القلعة فتح لهم وأدخلهم.