فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 611

فلما أضاء الفجر وطلعت الشمس دعا يوقنَّا بالمسلمين الخمسين رجلًا وهم موثقون بالحبال، فقربهم إلى موضع ينظرهم المسلمون ويسمعون أصواتهم وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله حتى قتلوا عن آخرهم! فلما نظر أبو عبيدة إلى ذلك أمر مناديًا ينادي في عسكره عزيمة من الله ورسوله ومن الأمير أبي عبيدة: على كل رجل لا يكل حرسه إلى غيره، وليكن كل رجل منكم حارس نفسه، ولا يتكلم بعضكم مع بعض. فأخذ القوم حذرهم وأعدوا حرسهم، وأقبل يوقنَّا يدبر أمره في مكيدة أخرى ليكيد بها المسلمين إذ علم أنهم محاصرون ومع ذلك جواسيسه تأتيه بالأخبار في الليل والنهار وكان أعظم جواسيسه من متنصرة العرب لأنهم كانوا يحسنون لسان الرومية.

فبينما يوقنَّا ذات يوم جالس في قلعته والبطارقة من حوله وقد أضر بهم الحصار وأشد ما كان عليهم من أهل المدينة لأنهم لا ينظرون إلى رجل من أصحابه يعرفونه إلا أخذوه وسلموه للمسلمين، وإذا بجاسوس قد أقبل وهو من عيونه، فقال له: أيها السيد إن أردت أن تكيد العرب فهذا وقتك، فقال له يوقنَّا: وكيف ذلك. وما الذي عندك من الخبر؟ قال: إن العلافة منهم قد خرجوا إلى وادي بطنان وقد صالحوا أهله وعلوفة العرب وميرتهم منه، وقد رأيت منهم جمالًا وبغالًا ومعهم طائفة منهم وعليهم القمصان الخلقة وبأيديهم الرماح المشبعة وهم يقصدون القرى في طلب الميرة وهم قليلون وليس هم في كثرة. فلما سمع يوقنَّا ذلك من جاسوسه، اختار ألفًا من أصحابه وقال لهم: أصلحوا شأنكم فوحق المسيح لأضيقنَّ على العرب مسالكهم! ولأقطعنَّ عليهم طرقاتهم! فلما أقبل الليل فتح لهم الباب، وسار الجاسوس أمامهم حتى استقاموا على الجادة وجعلوا يسيرون تحت جنح الليل فبينما هم كذلك، إذا هم براع ومعه سرح من البقر يريد بها بلده، وهو يسير بها سيرًا عنيفًا، فلما نظروا إليه أسرعوا نحوه وقالوا: أحسست بأحد من العرب قد عبر عليك؟ قال: نعم والشمس عند الغروب قد اصفرَّت وهم نحو مائة رجل على خيول وهم مسرعون ومعهم جمال وبغال وهم يريدون الميرة من هذا الوادي ممَّن هم في صلحهم ولسنا نخاف منهم.

فقال له المقدم عليهم: الآن قد ألقيت علينا من صلح أهل هذا الوادي ما لم يكن عندنا منه خبر فبحق المسيح أخبرنا بأي طريق ذهبت العرب؟ فقال: من هاهنا وأومأ بيده إلى الشرق فصار البطريق بمن معه ولم يعرفوا أن صاحب البقر منهم حتى إذا قرب الصبح أشرفوا على خيل المسلمين وكان الأمير عليها يقال له مناوش، فلما نظر مناوش إلى خيل الروم قد أقبلت أقبل على أصحابه وقال: يا بني العرب هذا بطريق من بطارقة الروم قد أقبل إلينا فدونكم إياه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت