فهرس الكتاب
لوقا وهو أكبر مني سنًا فأمر مالك بإحضاره، وقال: لم قتلته وهو أبوك؟ وما سمعنا ولدًا قتل أباه من الروم سواك؟
فقال: حملني على ذلك محبة دينكم، لأن في بيعة هذا الحصن قسًا من المعمرين، وكنا نقرأ عليه الإنجيل ويعلمنا بعلم الروم، وإني كنت في بعض الأيام في البيعة أنا وهو وليس عندنا أحد وكان اسمه أبا المنذر، فقلت له: يا أبا المنذر ألا ترى إلى بلاد الشام كيف استولت عليها العرب وملكوا أكثرها وهزموا جيوش الملك؟ وما كنا نظن أن العرب تقدر على ذلك لأنه ليس في الأمم أضعف منهم وأن الله تعالى نصرهم على ضعفهم، فهل قرأت ذلك في كتب الروم أو ملاحمهم أو ملاحم اليونانيين. فقال: يا بني نعم إني قرأت ذلك، ولقد أخبرنا الملك هرقل بذلك قبل وقوع هذا الأمر! وجمع إليه الملوك والأساقفة والبطارقة وغيرهم، وأخبرهم أن العرب لابد أن يملكوا ما تحت سريري هذا! ولقد بلغنا عن نبي القوم أنه قال:"زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها"، فقلت له: يا أبانا فما تقول في نبي القوم؟ قال له: يا بني إن في كتبنا أن الله تعالى يبعث نبيًا بالحجاز وقد بشر به المسيح عيسى بن مريم، ولا ندري أهو هذا أم لا! فعلمت أنه كتم عني أمره مخافة أن أذيع سره فكتمت ما قال لي البارحة!
فلما رأيت يوقنَّا وأصحابه أسرى قلت: هذا يوقنَّا قد قتل أخاه يوحنَّا وعاند العرب وقاتلهم، ثم إنه رجع إلى دينهم، وما ذاك إلا أنه قد علم أن الحق معهم، فقلت أنا لنفسي: قم أنت واقتل أباك وخلص يوقنَّا وأصحابه وارجع إلى دين هؤلاء فهو الدين الحق لاشك فيه! فلما نام أبي بعدما شرب الخمر وسكر قتلته وسرت إلى خلاص يوقنَّا ومن معه فوجدت أخي لاوان قد سبقني إلى ذلك، فقال له مالك: يا غلام لم فعلت ذلك؟ قال: محبة في دينكم وأنا أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فقال له مالك: قبلك الله ووفقك. ثم خرج مالك من الحصن وولاه سعيد بن عمرو الغنوي وترك معه المائة الذين كانوا مع يوقنَّا، وقدَّموا إليه صاحب الراوندات ومن معه فعرض عليهم الإسلام فأبوا فضرب رقابهم.
قال الواقدي: ثم إن مالكًا الأشتر أراد أن يرحل فعُرض عليه سبي عزاز فكان ألف رجل من الشباب ومائتين وخمسة وأربعين رجلًا من الشيوخ والرهبان وألفي امرأة من النساء والبنات ومائة وثمانين عجوزًا، ونظر إلى شيخ من الرهبان مليح الشيبة واضح الهيبة، فقال: إن صدقت الفراسة فهذا القس الذي أخبرني به لوقا وأخوه لاوان فدعا بهما وقال: هذا هو القس الذي أخبرني به لوقا؟ فقال: نعم فقال له: يا شيخ إذا كنت عن علماء أهل الكتاب فكيف