فهرس الكتاب
والحشمة وخلعة الملك عليه، فترجلوا وقبلوا ركابه، فقال لهم: كيف خلصتم من أيدي العرب؟ فقالوا: أيها السيد إننا خرجنا مع أمير من أمرائهم وأغرنا على منبج وبزاعة، فلما رجعنا نريد حلب أخذنا على عزاز فوجدناهم قد ملكوها، فلما كان الليل تركناهم وأتينا.
هذا كله وحجَّاب الملك يسمعون، فلما حضروا أخبروا الملك بذلك ودخل يوقنَّا بهم على الملك فخلع عليهم وأنزلهم وأمرهم أن يكونوا في خدمة يوقنَّا وأعطاه دارًا بإزاء قصره، فقال يوقنَّا: أيها الملك أنت تعلم أن هذه الدار لا يدوم نعيمها، وأن السيد المسيح شبهها بالجيفة، وطلابها بالكلاب يتجاذبونها. كما روي عن المسيح أنه رأى طائرًا حسنًا مزينًا بكل زينة، فنزع جلده فرآه أقبح ما يكون منظرًا، فقال له: من أنت؟ قال: أنا الدنيا ظاهري مليح وباطني قبيح، وإنما ضربت لك هذا المثل أيها الملك لتعلم أنه ما خلا جسد من حسد، وإذا أقبلت الدنيا على أحد كثرت حساده، وأنا أخاف من الحساد أن يتكلموا فيَّ عند الملك ويرموني بالبهتان وبما لا أفعله، فإن كان الملك ينفر مني فليول هذه الوظائف غيري وأنا ما أبرح على ركابك. ثم إنه بكى!
فقال له الملك: أيها الدمستق ما وليتك هذا الأمر إلا وقلبي وخاطري واثق بك، ومن تكلم فيك بشيء سلمته إليك تفعل به ما تريد. فشكره يوقنَّا وأراد الخروج إلى وظيفته التي ولاه إياها، وإذا بخيل البريد قد أقبلت من مرعش وهم رسل ابنته زيتونة، وأنها خائفة من العرب، وهي تريد القدوم عليك حتى ترى ما يؤول من الأمر، وأنها تسألك أن ترسل لها جيشًا يوصلها إليك، فلما سمع الملك ذلك قال: ليس لهذا الأمر إلا الدمستق يوقنَّا، فقبَّل الأرض وقال: السمع والطاعة لأمرك فضم إليه ألف فارس ومائتين من أصحابه من المدبجة والقياصرة. فسار بهم وقد رفع الصليب فوق رأسه وجنبت الجنائب عليها الرخوة المذهبة، وسار يجد السير إلى أن وصل إلى مرعش وأخذ زيتونة بنت هرقل الصغرى، وكان الملك قد ولاها على تلك البلاد وزوجها"بنوسطير بن حارس"، وكانوا يسمونه سيف النصرانية لشجاعته، وكان قد قتل في اليرموك من جراحات أصابته.
فلما أخذ يوقنَّا ابنة الملك وعاد يطلب بها أنطاكية أخذ على الجادة العظمى لعله يلقى أحدًا من جواسيس المسلمين أو يرى معاهدًا فيرسله ليعلم أبا عبيدة أنه قد تمكن من الملك ومن البلد، فلما وصل مرج الديباج، وكان ليلًا وإذا بخيله التي على مقدمته قد أتته وهم مذعورون، فقال لهم: ما بالكم؟ فقالوا له: أيها السيد الدمستق هناك عسكرًا نازلًا فقربنا منهم فإذا هم عرب وهم نيام ولاشك أنهم مسلمون! فقال لهم: خذوا أهبتكم وأيقظوا