فهرس الكتاب
الحمد من جميع المسلمين إذ فتح علينا مستصعب قلاع الكفر وحصونه وأذل لنا ملوكهم وأورثنا أرضهم وديارهم وأنه سبحانه قد فتح علينا قلعة حلب وأردفها بحصن عزاز وأن البطريق يوقنَّا صاحب حلب قد أسلم وحسن إسلامه وقد صار عونًا للمسلمين على الكافرين من بعد ما قاسينا منه ما الله عالم به فالله يجازيه فلقد نصر الله به الدين ونصح للمسلمين وأباد المشركين، وقد دخل أنطاكية يدبر حيلة على كلب الروم، وقد ألقى بنفسه إلى الهلاك في طاعة الله ورسوله، ولقد كتبت هذا الكتاب ونحن معوَّلون على المسير إلى أنطاكية نقصد طاغية الروم فما بقى حصن سواه لأعدائنا قريبًا منَّا ونحن طامعون في أخذه وأخذ سريره وكنوزه كما وعدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فزوِّدنا بالدعاء منك فإنه سلاح المؤمنين ودمار الكافرين، والسلام عليك وعلى من معك عن المسلمين ورحمة الله وبركاته.
ثم إنه أخرج الخمس وسلمه إلى رباح بن غانم اليشكري وضم إليه مائتي فارس من المسلمين فيهم قتادة وسلمة بن الأكوع وعبد الله بن بشار و ومثل هؤلاء - رضي الله عنهم - فأخذوا الخمس وساروا.
ثم إن أبا عبيدة دعا بضرار بن الأزور وضم إليه مائتي فارس وأمره أن يشن الغارة فركب ضرار وكان معهم سفينة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عين ولم يزل ضرار سائرًا هو ومن معه ومعهم رجال من المعاهدين يدلونهم على الطرق حتى وصلوا إلى مرج دابق، وكان وقت السحر، فقال لهم المعاهد: ارفقوا على خيولكم فنزلوا وأراحوها بقية يومهم وليلتهم حتى إذا كان وقت السحر فما شعروا إلا وجبلة كبسهم، فلما وقع الصياح ركب ضرار وركب معه نحو مائة فارس وأما المائة الأخرى فقد دهمتهم خيول المتنصرة فلم يتمكنوا من الركوب فقاتلوا رجالًا فنفرت خيولهم ووصل إليهم عدوهم حتى إنه قتل كل واحد خصمه وتكاثرت عليهم الخيل فأسروا المائة وأما ضرار فإنه صاح بالمائة الثانية، وقال: يا فتيان العرب إن أعداءكم قد هاجموكم على حين غفلة منكم وهم عرب مثلكم وهذه أفضل الساعات عند الله فقووا عزمكم ولا تفشلوا فأنتم تعلمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"الجنة تحت ظلال السيوف"وقد قال الله تعالى:"كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ".
قال ميسرة بن عامر: وكان من جملة من حضر معنا في مرج دابق ربيعة بن معمر بن أبي عوف وهو ابن عمر بن ربيعة الشاعر وكان ربيعة من فصحاء العرب لا يتكلم إلا بالسجع كلامه ينظم بحسن مقاله وكنا نصغي إليه إذا سجع ونحفظ منه، فلما سمع ضرارًا وهو يحرضنا قال: يا فتيان العرب لن تنالوا الجنة إلا بالصبر على المكاره، ووالله لن يدخلها من