فهرس الكتاب
هو للجهاد كاره! ولله في عرض السموات جنة ... ولكنها محفوفة بالمكاره وأعلى الدرجات درجة الشهادة، فأرضوا عالم الغيب والشهادة! فهذا الجهاد قد قام على ساقه وكسد النفاق في أسواقه واختفى بنفاقه في أنفاقه. أَمَا أنتم أصحاب نبي العصر؟ ولم يئستم من الثبات والنصر؟! بشِّروا روح المصطفى بثباتكم وقووا العزم بصفاء نياتكم، وإياكم أن تولوا الأدبار فتستوجبوا غضب الجبار، واعلموا أن النصر والثبات جندان منصوران، فمن طلب دار البقا هان عليه الملتقى، فصححوا طلبتكم تنالوا رحمة ربكم، وحققوا حملتكم تنالوا بغيتكم واطعنوا النحور تنالوا الحور وتسكنوا القصور، وقوموا الأسنة تنالوا الجنة واعتمدوا على الصبر تنالوا النصر، وإياكم أن توافقوا الكفار في حالهم واعدلوا عن طريق قولهم. قال العالم بحالهم وفعلهم"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ". قال سمرة بن غانم: والله لقد دهشت أنفسنا بقوله وحملنا على المتنصرة وضرار ينشد:
ألا فاحملوا نحو اللئام الكواذب ... لترووا سيوفًا من دماء الكتائب
وردوا عن الدين المعظم في الورى ... وأرضوا إله العرش رب المواهب
فمن كان منكم يبتغي عتق ربه ... من النار في يوم الجزا والمآرب
فيحمل هذا اليوم حملة ضيغم ... ويرضي رسولًا في الورى غير كاذب
ثم حمل ضرار ونحن من ورائه وبذلنا نفوسنا وروينا سيوفنا ورماحنا من المتنصرة وجرى الحرب بما لا يوصف وضرار فيهم كأنه النار في الحطب اليابس، وجبلة بن الأيهم يتعجب من حملاته وضرباته فأمر قومه أن يقصدوا جواده بسهامهم ففعلوا ذلك فانصرع الجواد ووقع ضرار فتكاثروا عليه وأخذوه أسيرًا وأخذوا بقية أصحابه وساروا يريدون أنطاكية فالتقوا بيوقنَّا وابنة الملك كما ذكرنا.
.عن خزامة بن عمرو وعن أبي المنذر أن سفينة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في حرب ضرار بن الأزور أسيرًا، فلما كان الليل انطلق هاربًا يلتمس الوصول إلى أبي عبيدة، فإذا هو بأسد عارضه. فقال سفينة: يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان من أمري كيت وكيت فقرب منه وهو يبصبص بذنبه حتى وقف إلى جانبه وأشار إليه برأسه أن سر فسرت وهو إلى جانبي حتى أتى بي إلى بلد من صلحنا فتركني ومضى. فلما وصل سفينة الجيش حدث الناس بأسر ضرار ومن معه فصعب ذلك على المسلمين وبكى أبو عبيدة وخالد بن الوليد على أسرهم، وقالا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وبلغ ذلك أخته خولة فقالت: إنا لله وإنا إليه