فهرس الكتاب
فقال لضرار ومن معه: من يخاطبني منكم عما أسأله من العلم؟ فأشاروا إلى قيس بن عاصم الأنصاري - رضي الله عنه - وكان شيخًا معمرًا وقد شاهد جميع أحوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعجزاته وغزواته، فلما أشاروا إليه قال للملك: قل ما أنت قائل أيها الملك. قال هرقل: كيف نزل على محمد الوحي أول مبتدأ أمره؟ فقال قيس: سأل هذا السؤال لنبينا - صلى الله عليه وسلم - رجل من مكة يقال له الحارث بن هشام. فقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يأتيني أحيانا مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليَّ فينفصم عني وقد وعيت عنه، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول".
قال قيس: ولقد كان ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليرفض عرقًا، فأول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه -أي يتعبد- الليالي ذوات العدد، فلم يزل كذلك حتى جاءه الملك وقال له: اقرأ. فقال: لست بقارئ! قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني وقال لي: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ! فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني وقال لي: اقرأ. فقلت: لست بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال:"اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ"، فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرجف بها فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. فقال: زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فأخبر خديجة وقال لها: لقد خشيت على نفسي، فقالت له خديجة: كلا لا يخزيك الله أبدًا إنك تصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الدهر والحق، وذكر الحديث بطوله.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري فإذا أنا بالملك الذي جاءني بحراء وهو جالس على كرسي بين السماء والأرض فخشيت منه رعبًا فرجعت إلى خديجة فقلت: دثروني دثروني فأنزل الله تعالى"يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ"، ثم حمى الوحي وتتابع! فقال هرقل: بحق دينك ما الذي رأيت من معجزاته؟ قال: كنت معه في سفر فأقبل إليه أعرابي فدنا منه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: أتشهد ألا إله إلا الله وأني محمد رسول الله. قال الأعرابي: ومن يشهد بما تقول؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: هذه الشجرة، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا الشجرة وهي بشاطئ الوادي فأقبلت إليه وهي تخط الأرض حتى قامت بين يديه فاستشهدها ثلاث مرات؛ فقالت: أنت محمد رسول الله، ثم أمرها فرجعت إلى منبتها.