فهرس الكتاب
الضربات مائة وأربع عشرة ضربة إلا أنها غير قاتلة لما يريده الله من لطفه الخفي في حياته ونجاته فلما رأى البترك هذه الفعال سكن غضبه وقال: اقطعوا لسانه! فلما أن رأى يوقنَّا ذلك الأمر وتحقق هذا الكلام منهم قال في نفسه: والله لا أترك هذا اللعين يتمكن من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقدم إلى الملك وقبَّل الأرض ودعا بدوام الملك والنعم، وقال: أيها الملك! إن هذا ليس بصواب وإن من الرأي السديد عندي أن تترك هذا الغلام حتى يصح فإذا عاد إلى صحته أخرجناه إلى باب المدينة وصلبناه لتشفى صدور الروم لأنه قد أثر فيهم كلامه الذي تكلمه، وقد قتل من آبائهم وأبنائهم وإخوانهم، وأيضًا يبلغ الخبر إلى المسلمين بإهانته وضربه فيوهنوا بذلك. وإنما أراد يوقنَّا بذلك أن يخلص ضرارًا منه، وقال في نفسه إذا بات تلك الليلة انكسرت حدة الغيظ من الملك فيطلقه! فقال الملك ليوقنَّا: خذه واحفظه إلى غد فأخذه يوقنَّا إلى داره وافتقد جراحاته فإذا بها كلها سليمة ما قطع له عصب ولا عرق وذلك من لطف الله الخفي.
ولما أن رأى يوقنَّا جراحاته خاطها وداواها وأطعمه وأسقاه ففتح عينيه فرأى يوقنَّا وولده ولم يكن عنده علم بأن يوقنَّا قد أتى إلى هذا المحل ليحتال على الملك؛ فلما أن رآهما قال لهما: إن كنتما كافرين فقد سخركما الله لي حتى داويتماني! وإن كنتما مؤمنين فمرحبًا بكما وهنيئًا لكما ولعل الله ببركتكما يجمع شملي بعجوز في الحجاز قد أعلَّها البكاء والعويل ليلًا ونهارًا من أجلي وأجل أختي خولة وهي في العسكر ولقد كانت تحسب هذا الحساب لأنني بقية من مضى لها من الأحباب ولقد خفي عليها خبري وأمري فإن قدرتما أن تبلغاها سلامي وتعلماها مقامي وكيف كان للكافرين كلامي فهي ترسل وتعلم أمي وتكاتبها بأمري فلما استراح في الليل قال بالله عليكما اكتبا عني ما أقول لكما فكتب عنه ابن يوقنَّا وهو يملي له ويكتب حرفًا بحرف شعرا:
ألا أيها الشخصان بالله بلغا ... سلامي إلى أهلي بمكة والحجر
تلقيتما ما عشتما ألف نعمة ... بعز وإقبال يدوم مع النصر
ولا ضاع عند الله ما تصنعانه ... فقد خف عني ما وجدت من الضر
بصنعكما لي نلت خيرًا وراحة ... كذلك فعل الخير بين الورى يجري
وما بي وايم الله موتي وإنِّما ... تركت عجوزًا في المهامة والقفر
ضعيفة حال ما لها من جلادة ... على نائبات الحادثات التي تجري
وإني أردت الله لا شيء غيره ... وجاهدت في جيش الملاعين بالسمر