فهرس الكتاب
بركون أنفسكم المحجوبة بحجاب الغفلة إلى طلب ما يفنى سلط عليكم أضعف أمة قد أخرجتكم من دياركم وأبعدتكم عن أوطانكم، وما ذاك إلا لخلودكم إلى الأهواء الجاذبة إلى مهاويكم وإلى إدراك المهالك لأنكم حكمتم بغير الحق واجترأتم على الرعية بطلبكم منهم ما ليس لكم بحق، والجور في أخذ أموالهم وفساد أحوالهم وكثرة الزنا واتباع الخنا فلأجل ذلك لم تنصروا، ودارت دائرة السوء عليكم!
فتكلم صاحب الملك هرقل الكبير واسمه سروند وصاح عليه وقال له أيها السيد لا تحمل على قلب الملك من كلامك ما لا يطيق في مثل هذه الساعة، فقد وعظه من هو أكبر منك فلم يسمع قوله. قال فغضب فلنطانوس من صياح الحاجب عليه وكتم أمره إلى الليل، فلما مضى من الليل ربعه طلب حجابه وخواصه، وقال لهم: أرضيتم أن يزعق عليَّ حاجب هرقل ويوبخني بين الملوك وأنتم تعلمون أن بيتي أعظم من بيته ونسبه أدنى من نسبي وملكي أقدم من ملكه!! ولقد قال قسيس حكيم بلاد الذكر المشهور بحكمته: لا تسع بقدمك إلى من يراك دونه فتصغر عنده واجعل عز نفسك في مقابلة كبرياء عجبه، فإن عزة النفوس تقابل جاه الملوك ولا تصنع صنيعك لغير مستحقه لأنها تجلب عليك السوء من قبل ذلك، فإن ذلك الإحسان لا يزكو إلا عند ذوي الأصول فإنه يندمج عند السفهاء والأرذال لا تصنع إليهم النصيحة، فإنك أنت تطلب منفعته وهو يريد هوى نفسه بأذيتك وقد جئنا من مائتي فرسخ وأكثر إلى خدمة رجل يرى أننا قد قصدنا داره وتاج عزَّه وأننا نحن من جملة خدمه!
وقد عوَّلت أن أسير إلى هؤلاء العرب واختبر ملتهم فإنها هي الملة الواضحة بالحق المؤيدة بالصدق، ومن كان عليها أمن في معاده من الهول الأكبر فما أنتم قائلون؟ قالوا: أيها الملك وكيف تطيب نفسك بترك دينك وملكك وعزك وتتبع هؤلاء وهم لا فضل لهم ولا عندهم حكمة؟! فقال فلنطانوس: أما الحكمة البالغة فعندهم مقرها وفي نفوسهم موطنها فلما سمعوا قوله قالوا: أيها الملك نحن ما نمنعك من عز دائم يخرجنا من الذل ومهانة الغلبة، فإذا كنت تطلب بنا طريقًا يؤدي إلى البقاء ويذهب بالشقاء فالحق اتباع الحق ونفي الباطل فنحن لك وبين يديك. قال: فخذوا على أنفسكم فإذا كانت ليلة غد ركبنا كأنَّا نطوف حول البيت نحرسه ونطلب جيش العرب. ففعلوا ذلك وأخذ فلنطانوس في أمره.
.عن أبي موسى الأشعري قال: لما عزم فلنطانوس أن يسير إلى جيش المسلمين أتى إليه يوقنَّا برسالة الملك هرقل، فلما أدى الرسالة وهمَّ بالقيام قال له فلنطانوس: من أنت من الحجاب؟ قال: أنا يوقنَّا صاحب حلب. قال: وكيف تركت بلدك؟ قال: استولت عليها