فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 611

العرب وحدَّثه بحديثه. فقال فلنطانوس: وما الذي ظهر لك من هؤلاء العرب؟ قال: أيها الملك إني دخلت في دينهم واطلعت على أمرهم وكشفت سرهم فرأيت القوم لا يستمعون إلى الباطل ولا يحيدون عن الحق ولا ينامون الليل من كثرة اجتهادهم ولا يتكلمون بغير ذكر ربهم ينصفون المظلوم من الظالم ويواسي غنيهم فقيرهم، الأمراء منهم في زي المساكين، والعزيز والذليل عندهم سواء. فقال له فلنطانوس: فإذا وقفت على سرهم ورأيت فضلهم فما منعك أن تقيم عندهم وبينهم؟! فقال يوقنَّا: منعني من ذلك صحة ديني وصحبة قومي لأني لم أر فراقهم. قال فلنطانوس: إن النفوس الزكية الباقية إذا رأت الحق جذبها جاذب اليقين إلى حضرة طلب الإخلاص من المعيشة الذميمة إلى أن ترقى إلى أعلى عليين. فخرج يوقنَّا وقد رسخ كلام فلنطانوس في قلبه، فقال: والله ما تكلم بشيء إلا وهو منقوش على صفحة صدري وكلامه يشهد بقبول عقله لصحة دين الإسلام! وأقام يوقنَّا على قلق من ذلك حتى أقبل الليل فأتى إلى فلنطانوس فرآه وهو على نية الركوب إلى ما ذكرناه، فلما وقف بين يديه صقع له. فقال له فلنطانوس: بأي حجاب حجب الله الظالمين عن اتباع سبيل المتقين فالحق واضح لمن طلبه والباطل خفي عمن اتبعه؟! فقال يوقنَّا: أيها الملك ما معنى هذا الكلام الذي أشرت إليه؟ فقال: لو أنك رأيت بعين البصيرة لما رجعت عن ملتهم ولا أردت بدلًا غيرهم وإنما أنت طلبت نعيمًا يؤول إلى الزوال ويفضي بصاحبه إلى النكال.

فسكت يوقنَّا وخرج من عنده وجعل يتجسس عليه ومضى ووقف على الطريق الذي يمضي إلى المسلمين فركب فلنطانوس وخرج من سرادقه فوجد بني عمه قد أخذوا أهبتهم وهم أربعة آلاف فارس وقدموا عزمهم وساروا يدًا واحدة يطلبون جيش الموحدين وقد تركوا عزهم وفارقوا دينهم، فلما قربوا من جيش المسلمين ظهر لهم يوقنَّا وبنو عمه المائتان. فقال يوقنَّا لفلنطانوس: أيها الملك عوَّلت على أن تكبس المسلمين؟ فقال: لا والقديم الأزلي وإنما أنا قاصد إليهم وداخل في دينهم وملتهم وأكون من جملتهم، فمن نظر إلى الدنيا بعين الفناء عمل للآخرة فما الذي يمنعك يا يوقنَّا مما نحن عوَّلنا عليه؟!

فقال يوقنَّا: أيها الملك لقد جذبك جاذب الحق عن طريق الضلال ثم إنه حدثه بحديثه وأنه عازم على أن يغدر بالروم فقبَّله فلنطانوس وفرح بمقالته، وقال له: كيف تقدر على ذلك وما أرى معك إلا نفرًا يسيرًا؟ فقال: أيها الملك إن في داخل بيتي مائتين من المسلمين من أكابر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مقام عشرين ألفًا من الروم! ولقد رأيت أن تعود أنت وقومك ولا تستعجل ونبعث رجلًا إلى أمير المسلمين يخبره بما نحن معوَّلون عليه فإذا كان غدًا تقف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت