فهرس الكتاب
وأصحابه ووقع الصياح وكثر الضجيج وسمع بذلك أصحاب يوقنَّا فعلموا أن ذلك بسبب أصحابهم وأنه قبض عليهم فاغتموا لذلك غمًَّا شديدًا وأخذوا على أنفسهم من عدو يقبل عليهم قال: فلما استوثق عليهم الدمستق أرمويل بن نشطة وكل بهم ألف رجل وقال: سيروا بهم إلى الملك يفعل فيهم ما يريد، وأقبلوا يعنِّفون يوقنَّا وأصحابه ويقولون لهم: ما الذي رأيتم في دين العرب حتى تبعتموهم وتركتم دينكم ودين آبائكم؟! قد طردكم المسيح عن بابه وأبعدكم عن جنابه، فلما هموا أن يسيروا بهم وقع الصياح من الأبواب ونفر أهل القرى، ومن كان بالقرب من صور فسألوهم عن أخبارهم. فقالوا: قدمت العرب عليكم.
وكان عمرو بن العاص لما نزل على قيسارية وجه يزيد بن أبي سفيان في ألفي فارس إلى صور، فلما سمع الدمستق أمر بالأبواب فأغلقت وصعدت الرجالة على الأسوار وعمروا الأبراج ونصبوا المجانيق، وأدخل الدمستق يوقنَّا إلى قصر صور واستوثق منهم لئلا يتم عليه أمر منهم، وبات القوم يحرسون وأضرموا نيرانهم على الأسوار فأقبلوا يرقصون ويشربون طول ليلتهم، فلما كان الغد أشرف عليهم يزيد بن أبي سفيان فنظر إليهم الدمستق، فلما رآهم قليلًا استحقرهم وطمع فيهم وقال:"وحق المسيح لابد لي من الخروج إليهم وهزم هذه الشرذمة اليسيرة". ثم لبس اللباس وأمرهم بالخروج وترك على حفظ يوقنَّا وأصحابه ابن عمه باسيل.
وكان باسيل هذا ممن قرأ الكتب السالفة والأخبار الماضية وكان قد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في دير بحيرا الراهب وكان باسيل قد مضى إلى زيارة بحيرا، فلما قدمت عير قريش وجمال خديجة بنت خويلد وفيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نظر بحيرا إلى القافلة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وسطها والسحابة على رأسه تظله من حر الشمس، فلما تبينه قال: والله هذه صفة النبي الذي يبعث من تهامة ثم انتظروا وإذا بالركب قد نزل ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل وحده تحت شجرة يابسة واستلقى إليها فأورقت الشجرة بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! فلما عاين بحيرا ذلك صنع طعامًا لقريش واستدعاهم فدخلوا الدير وبقي هو مع الإبل ليرعاها، فلما نظر بحيرا إليهم ولم يره في جملتهم قال: يا معشر قريش هل بقي منكم أحد؟ قالوا: نعم بقي فينا من تخلف لحفظ القافلة ورعي الإبل. قال: ما اسم من يرعى الإبل؟ قالوا: محمد بن عبد الله. قال: هل مات أبوه وأمه؟ قالوا: نعم. قال: هل كفله جده وعمه. قالوا: نعم، قال: يا قريش هو والله سيدكم وبه يعظم في الدنيا مجدكم، قالوا: من أين علمت ذلك؟ قال: لما أشرفتم عليَّ من البرية لم يبق صخر ولا مدر إلا خرَّ له ساجدًا. فبقي باسيل في حيرة من أمره وكتم سره وعلم أن بحيرا