فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 611

لا يتكلم إلا بالحق، فلما وقع يوقنَّا وأصحابه ووكله الدمستق على حفظهم قال: إن الإسلام هو الحق وقد بشر به بحيرا الراهب، ولعل الله يغفر لي إذا حللت هؤلاء القوم.

وكان من حسن تدبير الله لعباده المؤمنين أنه لما خرج الدمستق إلى لقاء يزيد بن أبي سفيان لم يتأخر أحد من شباب المدينة لا صغير ولا كبير إلا وخرج معه وبقيت العوام ينتظرون على الأسوار ما يكون بينهم وبين العرب، فلما نظر باسيل إلى المدينة وخلوها واشتغال أهلها بالحرب أخذ رأيه على خلاص يوقنَّا ومن معه فأقبل إليهم بالليل والتفت إلى يوقنَّا وأصحابه وقال: أيها البطريق كيف تركت دين آبائك وأجدادك من قبل وعوَّلت على دين هؤلاء العرب وما الذي رأيت من الحق حتى تبعتهم وقد كانت الروم تتخذك عضدًا لها وعونًا؟ قال له يوقنَّا: يا باسيل ظهر لي من الحق ما ظهر لك من الحق فعرفته وقد هتف بي هاتف يقول لي: إن الذي هداك إلى دينه يخلصك وبشرني بالخلاص على يديك. فلما سمع ذلك زاد إيقانه وتحقق إيمانه وقال ليوقنَّا: لقد أنطق الله لسانك بالحق وإن الله كشف حجاب الغفلة عن قلبي منذ رأيت نبي هؤلاء القوم بدير بحيرا الراهب وهو في قافلة لأهل مكة ورأيت من دلائله أنه لا يسير على الأرض إلا والشجر تسير إليه والسحابة على رأسه تظلله ولقد استند إلى شجرة يابسة فأورقت في الحال وأنبأني بحيرا الراهب أنه وجد في العلم أن جماعة من الأنبياء استندوا إليها وجلسوا حولها فلم تورق، فلما استند بظهره إليها أورقت أغصانها وأينعت فعجبت من ذلك، وسمعت بحيرا يقول: هذا والله الذي بشر به المسيح فطوبى لمن تبعه وآمن به وصدقه، فلما عدت من زيارة بحيرا سافرت إلى القسطنطينية بتجارة وطفت في بلاد الروم وأقمت ما شاء الله. ثم عدت إلى قيسارية فرأيت الروم في هرج ومرج فسألت عن أحوالهم فقيل قد ظهر نبي في الحجاز اسمه محمد بن عبد الله وقد أخرجه قومه من مكة. وقد أتى إلى المدينة التي بناها تبع وقد ظهر على قومه ونصر عليهم فما زلت أسأل عن أخباره وهي في كل يوم تنمو وتزيد حتى مات، ثم ولي صاحبه أبو بكر الصديق وأنفذ جيوشه إلى الشام فلم يلبث إلا يسيرًا ثم مات! وولي هذا الرجل عمر بن الخطاب ففتح بلادنا وهزم جيوشنا وأنا مع ذلك أنتظر قدومهم إلى هذا الساحل حتى أتى الله بهم.

فقال له يوقنَّا: وما الذي عزمت عليه؟ قال: عزمت والله أن أفارق قومي وأتبعكم فإن الحق بينٌ؛ ثم حل يوقنَّا وأصحابه وسلم إليهم العدد والسلاح وقال ليوقنَّا: اعلم أن مفاتيح الأبواب عندي والعسكر خارج المدينة مشتغل بقتال العرب، وليس في المدينة من يخاف جانبه فانهض على اسم الله. فقال يوقنَّا: جزاك الله خيرًا فلقد هداك الله إلى دينه وسلك بك طريق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت