فهرس الكتاب

الصفحة 412 من 611

فلما جنَّ الليل أخذ الملك خزائنه وأمواله وحريمه وعياله وركب في المراكب وسار يريد جزيرة"أقريطش"، فلما أصبح الصباح وقع الصايح بالمدينة بأن الملك قد انهزم فاجتمع الأكابر وقالوا: إن الملك قد انهزم وما لنا من يدفع هؤلاء العرب! فخرجوا بأجمعهم إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووقفوا بين يدي خالد، وقالوا: إن الله قد نصركم بحق وأيدكم بصدق، وإنا نريد منكم أن تعاملونا بالنصفة وتنظروا إلينا بعين الرحمة، والعدل سنة من كان قبلنا معكم من الروم!

فقال خالد: ما فعل ملككم؟ قالوا: انهزم بأهله وماله في البحر. فقال قوم: قد أسكن الله الرحمة في قلوبنا وبصرنا بمعالم ديننا، وأظهرنا على أعدائنا، وفضلنا على سائر من كان قبلنا من الأجناس. فقال تعالى:"كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ"، ونحن نجريكم على أحسن عوائدنا مع سائر من فتحنا بلادهم، وقد أمسكنا عنكم ولو أردنا أن نملك البلد بالسيف لهان علينا، ولكن خير الناس من قدر وعفا ونريد منكم مائة ألف مثقال ذهبًا صلحًا عن أنفسكم وأهاليكم وندعوكم بعد ذلك إلى الإسلام، فمن أجاب منكم كان له ما لنا وعليه ما علينا، ومن عدل عن ذلك أخذنا منه الجزية عن السنة الآتية من كل رجل وغلام بلغ الحلم أربعة دنانير! ونشرط عليكم شروطًا أن لا تركبوا دابة، ولا تعلوا دوركم على دور المسلمين، ولا ترفعوا أصواتكم عليهم، ولا تبنوا كنيس ولا صومعة ولا ديرًا، ولا تجددوا ما دثر، وتلقوا المسلمين بالذل والانكسار، وتسارعوا في قضاء حوائجهم وما يريدون من إصلاح شأنهم لا تعدلوا عن تعظيم أشكاله، ومن أذنب منكم ذنبًا حددناه، ومن ارتد عن قولنا قتلناه، وأن تشدوا الزنانير على خصوركم إظهارًا لدينكم، وأن لا تظهروا ناقوسًا ولا صليبًا، ولو آمنتم بالله ورسوله لكان خيرًا لكم. فقالوا: أيها الأمير ما نترك ديننا فقرأ"وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ *وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ * وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ"، فقالوا: أيها الأمير نريد أن تولي علينا رجلًا منا حتى يجمع المال الذي تقرر علينا فيلمه بالعدل وليكن معه رجل منكم من أصحابكم، فقال خالد: إني لا أعرف أحدًا من أجاويدكم فاختاروا لأنفسكم برضاكم من أوليه عليكم فأشاروا إلى رجل منهم اسمه"شيعا بن شامس"، وكان مقدمًا في القبط فولاه خالد على جمع المال ورياسة البلد وندب معه قيس بن سعد وأوصاهم، وقال: خذوا من كل واحد ما يحتمل حاله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت