فهرس الكتاب

الصفحة 459 من 611

البترك، ووقف في مقابلتهم رجال من اليمن يرمونهم بالنبل، وأما خالد بن الوليد فلما حمل بأصحابه وهو يريد صليب القوم سمع عياض بن غنم وهو يقول هذه الأبيات:

سنحمل في جمع اللئام الكواذب ... ونفري رؤوسًا منهم بالقواضب

ونهزم جيش الكفر منا بهمة ... تطول على أعلى الجبال الراسب

وننصر دين الله في كل مشهد ... بفتيان صدق من كرام الأعارب

فيا معشر الأصحاب جدوا وجندلوا ... وكروا على خيل كرام المناصب

فدونكم قصد الصليب وبادروا ... لنرضي إله الخلق معطي المواهب

ثم قصدوا الصليب وكان اللعين شهرياض لما صف الصفوف أقام حول الصليب الأعظم اثني عشر ألف فارس كلهم لبس الزرد، وترك أمامهم حسكًا من حديد حتى لا يصل إليهم أحد، فلما حمل خالد وأصحابه وقربوا من الصليب داست خيولهم على ذلك الحسك فانكبت على وجوهها فوقعوا عن ظهورها فانكبت عليهم الروم بغيظهم وحنقهم فأخذوهم عن آخرهم بالأكف، لأنهم وقعوا عن ظهور خيولهم من الحسك وارتفعت العطاعط من كل جانب وعملت المرهفات القواضب. فلما نظر الأمير عياض بن غنم ما نزل بخالد ومن معه صعب عليه واشتد لديه، وقال في نفسه: يا ابن غنم ما يكون عذرك بين يدي الله وقد مضت هذه السادة تحت رايتك! فصاح بأعلى صوته: يا معاشر المسلمين احملوا ولا تمهلوا أيقظوا هممكم وعجلوا واستخلصوا السادة من الأسر واطلبوا من الله النصر.

فلما صاح عياض أوقفوا خالدًا ومن معه أمام الصفوف فتأسف ابن وضاح .... بن النابغة الذبياني وكان من أفصح الناس لسانًا، وأجرأهم جنانًا وأحدهم لسانًا، وأعلمهم بيانًا وكان حليفًا لخالد بن الوليد - رضي الله عنه -، فبرز يومه بمرج رغبان وقال: أيها الناس إن الصبر والثبات جندان لا يغلبان، وهذا يوم يا له من يوم وما ترون من نخواتكم ومروءتكم ودينكم أن تدعوا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يد العدا فاستنقذوهم من الردى، واتقوا الله الذي إليه مصيركم، واعلموا أن ترك الأشياء النفيسة لا يليق إلا بالنفس الخسيسة، أما تحققتم أن الدنيا تؤول إلى الزوال والفناء، والآخرة هي دار النعيم والبقاء؟!

فعندها حملوا بأسرار صافية وهمم وافية، وطعنوا في صدور الرجال، ورفرفت على رؤوسهم طيور الآجال ووضعوا السيف في الروم وجعلوه عليهم يومًا مشؤومًا. ولم يزل القتال بينهم بقية يومهم إلى الليل وانفصلوا عن القتال، ورجع المسلمون وهم متأسفون على أسر خالد ومن معه، فإنهم لما وقعوا في الأسر وانفصل الناس من القتال وجنَّ الليل أرسلهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت