فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 611

قال الواقدي: فضحك خالد من كلامه، وقال: يا عدو الله تخوفني أن الذي تسميت باسمه هو طالبك ومشتاق إليك ليرديك إلى الهاوية! فقال له البطريق: ما فعلت بأسيرك كلوس؟ فقال: هو موثق بالقيود والأغلال. فقال له عزازير: وما منعك من قتله، وهو داهية من دواهي الروم. فقال خالد: منعني من ذلك أني أريد قتلكم جميعًا، فقال عزازير: هل لك أن تأخذ ألف مثقال من الذهب وعشرة أثواب من الديباج وخمسة رؤوس من الخيل وتقتله وتأتيني برأسه. فقال له خالد: هذه ديته فما الذي تعطيني أنت عن نفسك؟ فغضب عدو الله من ذلك، وقال: ما الذي تأخذ مني؟ قال: الجزية وأنت صاغر ذليل. فقال عزازير: كلما زدنا في كرامتكم زدتم في إهانتنا فخذ الآن لنفسك الحذر فإني قاتلك ولا أبالي، فلما سمع خالد كلام عزازير حمل عليه حملة عظيمة كأنه شعلة نار فاستقبله البطريق، وقد أخذ حذره وكان عزازير ممن يعرف بالشجاعة في بلاد الشام فلما نظر خالد إلى عدو الله أظهر شجاعته وبراعته تبسَّم. فقال عزازير: وحق المسيح لو أردت الوصول إليك لقدرت على ذلك ولكنني أبقيت عليك لأني أريد أن أستأسرك ليعلم الناس أنك أسيري، وبعد ذلك أطلق سبيلك على شرط أنك ترحل من بلادنا وتسلم لنا ما أخذت من بلاد الشام!

فلما سمع خالد كلام عزازير قال له: يا عدو الله قد داخلك الطمع فينا، وهذه العصابة قد ملكوا تدمر وحوران وبصرى وهُمْ ممَّن باعوا أنفسهم بالجنة، واختاروا دار البقاء على دار الفناء، وستعلم أينا من يملك صاحبه ويذل جانبه! ثم إن خالدًا أرى البطريق أبواب الحرب. فندم عزازير على ما كان منه من الكلام، وقال: يا أخا العرب أما تعرف الملاعبة؟ فقال خالد: ملاعبتي الضرب في طاعة الرب! ثم إن الملعون هاجم خالدًا ولوَّح إليه بسيفه وضربه به فلم يقطع شيئًا فذهل عدو الله من جولان خالد وثباته، وعلم أنَّه لا يقدر عليه ولا على ملاقاته فولَّى هاربًا، وكان جواده أسبق من جواد خالد.

قال عامر بن الطفيل - رضي الله عنه: وكنت يوم حرب دمشق في القلب وشاهدنا ما جرى بين خالد وعزازير لما ولى هاربًا وقصر جواد خالد عن طلبه فوقع في قلبه الطمع، وقال: كأن البدوي خاف مني وما لي إلا أن أقف حتى يلحقني وآخذه أسيرًا ولعل المسيح ينصرني عليه، فلما وقع ذلك في نفسه وقف حتى لحق به خالد، وقد جلل فرسه العرق، فلما قرب منه صاح عزازير، وقال: يا عربي لا تظن أني هارب خوفًا منك، وإنما أبقيت عليك خوفًا على شبابك فارحم نفسك، وإن أردت الموت أسوقه إليك أنا قابض الأرواح أنا ملك الموت، فعندما سمع ذلك ترجل عن جواده وسحب السيف وسار إليه كأنه الأسد الضاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت