فهرس الكتاب
عوَّلوا على المسير إلى أجنادين فإن هناك تسعين ألفًا من الروم يريدون المسير إلينا"يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" (الصف:8) ، فإذا وصل إليك كتابي هذا فاقدم علينا بمن معك إلى أجنادين تجدنا هناك إن شاء الله تعالى والسلام عليك وعلى من معك من المسلمين ورحمة الله وبركاته، وكتب نسخة الكتاب إلى جميع الأمراء الذين ذكرناهم ثم أمر الناس بالرحيل فرفعت القباب والهوادج على ظهور الجمال وساقوا الغنائم والأموال.
فقال خالد لأبي عبيدة: قد رأيت رأيًا أن أكون على الساقة مع الغنائم والأموال والبنين والولدان وكن أنت على المقدمة مع خاصة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال أبو عبيدة: بل أكون أنا على الساقة وأنت على المقدمة مع الجيش. فإن وصل إليك جيش الروم مع وردان يجدوك على أهبة فتمنعهم من الوصول إلى الحريم والأولاد فلا يصلون إلينا إلا وأنت قتلت فيهم وإلا كنت أنا ومن معي غنيمة لهم إذا كنت أنا في المقدمة. فقال خالد: لست أخالفك فيما ذكرت. ثم إن خالدًا قال: أيها الناس إنكم سائرون إلى جيش عظيم فأيقظوا هممكم، وإن الله وعدكم النصر وقرأ عليهم قوله تعالى:"كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ" (البقرة:249) . ثم إن خالدًا أخذ الجيش وسار في المقدمة وبقي أبو عبيدة في ألف من المسلمين، ونظر إلى ذلك أهل دمشق فعطفوا عليهم وأقبلوا بسيوفهم وهم يظنون أنهم منهزمون لأجل ما بلغهم من الجيش العظيم الذي هو بأجنادين. فقال لهم عقلاؤهم: إن كانوا سائرين على طريق بعلبك فإنهم يريدون فتحها وفتح حمص، وإن كانوا على طريق مرج راهط فالقوم لاشك هاربون إلى الحجاز ويتركون ما أخذوا من البلاد.
وكان بدمشق بطريق يقال له بولص وكان عظيمًا عند النصرانية، وكان إذا قدم على الملك يعظِّمه، وكان الملعون فارسًا وذلك أنهم كان عندهم شجرة فرماها بسهم فغاص السهم في الشجرة من قوة ساعده. ثم إن من عجبه كتب عليها: إن كل من يدَّعي الشجاعة فليرم بسهمه إلى جانب سهمي! وكان قد شاع ذكره بذلك ولم يحضر قتال المسلمين منذ دخلوا دمشق، فلما اجتمعوا عليه قال لهم بولص: ما الذي حل بكم؟ فأعلموه بما جرى عليهم من المسلمين وقالوا له: إن كنت تريد حياة الأبد عند الملك وعند المسيح وعند أهل دين النصرانية فدونك والمسلمين فاخرج إليهم واخطف كل من تخلف منهم، وإن رأيت لنا فيهم مطمعًا قاتلناهم. فقال بولص: إنما كان سبب تخلفي عن نصرتكم لأنكم قليلو الهمة لقتال عدوكم فتخلفت عنكم والآن لا حاجة لي في قتال العرب. فقالوا: وحق المسيح والإنجيل