فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 604

غثاءً وزبدًا وجفاءً .. إنّه الوهن ذلك المرض القاتل الذي تسلل إلى قلوب كثير من المسلمين فتحّول إلى هزيمة روحية ونفسية ضربت جذورها في أعماق الأمة ... هذا هو الداء القاتل والمرض الخطير الذي يفتك بالأمم وإنّ أشدّ رمية أصابت الأمة في مقتلها هي فقدان الثقة بنفسها فالشعوب إنما تنتصر يوم أن تتفاعل وتحيا بعقائدها وتستعلي بدينها، ولن تهزم أمة تلتف حول عقيدة صحيحة تعيش من أجلها وتجاهد لإحيائها مهما كان أعداؤها ومهما تكالبت عليها القوى الظالمة وهذا المبدأ هو الذي سطّره ربّ العزّة في سبب النصر والهزيمة إذ يقول سبحانه وتعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} آل عمران: 165، فالهزيمة تبدأ داخلية ثم تنعكس على مجريات المعارك وما يقاس على الأمم يقاس على الأفراد لأن الهزيمة النفسية للفرد أو للجندي لا تؤثر عليه وحده بل تؤثر على مجريات المعركة كلها فكيف إذا اجتمعت الهزيمة النفسية في عدد من الجنود فإنّها ستقع الكارثة وتحل الهزيمة النكراء بالجيش كله حتى على مستويات شخصية أو فردية لو شارك بطل أبطال العالم في لعبة رياضية معينة أثناء بطولة دولية ثم حدث حادث أثّر على نفسيته قبل المباراة فإن ذلك سيكون له الأثر الكبير إن لم يكن له الأثر الحاسم في إنهاء المعركة لصالح غيره لذلك يقول بعض الخبراء في ألعاب القوّة والألعاب العنيفة بأن المقاتل يتكون من عقلية قتالية وعضلة قوية تقاتل ونفسية حديدية تصبر أثناء القتال وتتحمل بعض الضربات والإصابات ولا تتأثر بأي نجاح للخصم، أما إذا كانت النفسية مهزومة فلن يستطيع صاحبها أن يقاتل مهما امتلك من قدرات وعضلات وإمكانات ... هذا على مستوى أفراد وأبطال فكيف إذا كان الأمر بمستوى أمة عظيمة كأمة الإسلام أو على مستوى جيل أو أجيال هذا إن حدث فلسوف يكون مقتلةً لتلك الأمة ولتلك الأجيال فكيف إذا اجتمع مع الهزيمة النفسية تكالب أمم الكفر على أمة الإسلام؟ كيف إن تحالف الشرق مع الغرب مع شياطين الإنس والجن من أجل محاربة الإسلام؟ كيف إذا زحفت جيوش الأرض مجتمعة على الأمة؟ إنّ الهزيمة النفسية الداخلية إذا اجتمعت مع العدو المجرم الخارجي صارت الأمة كالذبيحة التي يتحكم بها الذابح كيف يشاء ... وهكذا استطاع الغرب بعد كل تلك المحاولات اليائسة البائسة التي حاولت المسّ بالقرآن وبالنسبة إلى الوصول لتحقيق بعض أهدافهم التي كان على رأسها تفكيك الخلافة الإسلامية وتقسيم الأمة إلى دويلات وجعل راية الأمة الواحدة الموحِّدة مئات الرايات المستوردة والملونة عندما كانت الأمة موحَّدة تحت راية واحدة لم يستطع أحد أن يعتدي عليها بل كانت كل الأمم تحسب للأمة ألف حساب فإذا وقع أي انشقاق في وحدة الأمة أو حدث أي خلاف بين المسلمين تحركت جحافل المغول والتتار والصليبيين للإنقضاض على الأمة لأن الفرصة مناسبة .. كل الحملات الكبرى التي شنّها أعداء الإسلام علينا كانت وما زالت وستبقى في الأوقات التي تكون فيه الأمة مفرقة ومشتتة ولها رايات متعددة والتاريخ مليء بالأحداث والوقائع التي تثبت ذلك وسأذكر مثلًا واحدًا على ذلك هو بيت المقدس الذي وقع تحت الاحتلال الصليبي أربع مرات في هذه الأعوام (493، 627، 637، 643 هـ) وفي كل احتلال كانت الأمة تعيش حالات انقسام سواء كانت الانقسامات ظاهرة ومعروفه أم داخلية ولم تظهر للعلن كغيرها وعندما جاء صلاح الدين رحمه الله وعاش في مرحلة كانت الأمة فيها مفرّقة عمل كل جهده وتعب لسنوات طويلة من أجل توحيد الأمة وعندما وحَّد مصر مع الشام وصار له جيش قوي تحرك باتجاه بيت المقدس فحرره من أيدي الغزاة الصليبيين الذين عاثوا فيه فسادًا بعد مكوثهم فيه لعشرات السنوات وإمعانهم في قتل وتعذيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت