فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 604

الأنفال: 60، فالإعداد مطلوب شرعا لأن من أراد الصيد أعد العدة لصيده ومن أراد التجارة أعد المال اللازم والبضاعة اللازمة واختار السوق والزمان لكي يحقق أرباحا كبيرة ومن أراد الزواج أعد المسكن والمهر والأمور التي تلزم لزواجه ومن أراد بناء بيت أعد مواد البناء والعمال وغير ذلك ... فكل عمل حتى ينجح ويكون محققا لأهدافه فيجب الإعداد له وكلما كان الإعداد متقنا وسليما وقويا ومتينا كلما كان العمل مثمرا وله قيمة عظيمة .. ولو أن شخصا أراد القيام بعمل ولم يعدّ له بشكل جيد فإن مصيره هو وعمله الفشل الذريع والخسارة الفادحة كمن يريد الإبحار عبر بحر عظيم الأمواج ثم لم يعدّ لهذه الرحلة قاربا جيدًا وقويًا وقادرا على تحمل الضربات والصدمات فإنه سيغرق ليس بسبب الأمواج العاتية فقط بل بسبب الإهمال والتقصير في إعداد السفينة لتبحر بين الأمواج العظيمة والثمن المدفوع قد يكون حياته لأنه قصّر في الإعداد ... هل سمعت أخي في الله برجل يريد السفر ولم يستعد لذلك السفر؟ أراه إن فعل ذلك سيدفع ثمن تقصيره مشقة وعناء وتعبًا ولذلك قال أحد السلف كيف لأناس نودي فيهم بالرحيل ولم أرَ منهم مستعدًا ... صحيح أن الأمر عجيب ويدعو للاستغراب لأن السفر قطعة من العذاب والتعب ويحتاج إلى استعداد تام خاصة في عهد السلف إذ لم تكن وسيلة النقل كما هي اليوم وكان الواحد منهم يسافر أياما وليالٍ وقد يمتد السفر إلى أشهر وهذا يحتاج لإعداد ما يلزم من أكل وشرب ولباس وسلاح وأموال وحراسة وتخطيط وإرشاد في المسير وحذر أثناء التنقل والمبيت خوفًا من الأخطار التي يواجهها المسافر ابتداء من قطاع الطرق وانتهاء بالحيوانات المفترسة ... هذا في زمن السلف أما اليوم ومع سهولة الانتقال والسفر في ظل السيارات والطائرات والقطارات وغيرها من وسائل النقل الحديثة ومع كل تلك التسهيلات فإن المسافر يستعد للسفر حتى لو كان السفر لمدة ساعات فقط حتى لو أراد الإنسان الذهاب لمكان قريب فإنه يستعد بحمل النقود ولبس الثياب والأكل قبل الذهاب والوضوء للصلاة وغير ذلك من الاستعدادات ... وإن المسلم في هذه الحياة الدنيا يستعد للسفر الطويل الذي سيأتيه بالموت ذلك السفر الذي يحتاج إلى إعداد غير الذي نعده في هذه الدنيا إنه يحتاج إلى إعداد خاص وعدة خاصة .. إنه السفر الذي ستذهب فيه مرغما بلا اختيار وستنال في آخر السفر إما الجنة وإما النار: إن كنت من الأبرار فالجنة هي الدار وإن كنت من الفجار فالنار هي القرار ... اللهم نجِّنا من هذا البلاء برحمتك ... أخي في الله قبل أن أتحدث معك عن إعداد عدة الجهاد يجب أن أذكِّرك بإعداد عدة السفر الطويل الذي قد يأتي فجأة فتنقل من هذه الدار إلى تلك الدار في ذلك الرحيل الإلزامي الذي يحتاج إلى عُدَّة عظيمة روي أن لقمان قال لابنه: يا بني إن الدنيا بحر عميق وقد غرق فيه ناس كثير فلتكن سفينتك فيها تقوى الله عز وجل وحشوها الإيمان بالله تعالى وشراعها التوكل على الله عز وجلَّ لعلك تنجو وما أراك ناجيًا ... سبحان الله العظيم كل تلك العدة ولا يراه ناجيا فكيف بنا ونحن نكاد نكون بلا عدة وبلا سفينة فهل يا ترى سنغرق في بحر الدنيا وملذاتها وشهواتها أم أننا سننجوا عبر قوارب النجاة الدعوية التي تحمل عدة التقوى والإيمان؟ ... يقول عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنه -"أنتم أكثر صومًا وصلاةً من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وهم كانوا خيرًا منكم قالوا له: بم ذلك؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا وأرغب في الآخرة ... نعم إخواني في الله: إنه الزهد الذي يدفع المسلم للاستعداد للآخرة لأنها خير وأبقى وبعض المساكين يعدون للدنيا وكأنها باقية ... فعلا وحقا إن من أعد للدنيا ونسي الإعداد للآخرة هو مسكين ومخدوع واختار الفاني على الباقي فهل هذا صاحب عقل سليم؟ وإن كان ليس مجنونا فهو كالمجنون لأنه عطَّل عقله وصار كالسفيه الذي ترك الشيء الثمين واستبدله بالشيء البخس القليل المنقطع ... وكما جاء في الأثر فإن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت